تزكيات الاستقلال تشعل الصراع قبل تشريعيات 2026
قبل أقل من ستة أشهر على الانتخابات التشريعية لسنة 2026، يبدو أن المعركة السياسية داخل بعض الأحزاب لم تعد موجهة نحو الخصوم في الساحة الوطنية، بل نحو الخصوم داخل البيت الحزبي نفسه ، داخل حزب الاستقلال تحديداً، تحولت التزكيات إلى ما يشبه سباقاً داخلياً للاقتراب أكثر من مركز القرار.
الأمين العام للحزب نزار بركة يجد نفسه في قلب هذه المعادلة، فبدل أن يظهر كحَكَم بين الطامحين إلى الترشح، يبدو في نظر كثيرين مهندساً لتوازنات سياسية معقدة، أقرب إلى فن توزيع النفوذ منها إلى عملية ديمقراطية داخل تنظيم يعد من أقدم الأحزاب في المغرب.
داخل القاعدة الاستقلالية كان هناك مبدأ بسيط متعارف عليه: البرلماني الذي يفوز يحتفظ بمقعده في الانتخابات المقبلة. قاعدة غير مكتوبة لكنها راسخة في الذاكرة التنظيمية للحزب، غير أن هذا المبدأ يبدو أنه أصبح مثل كثير من الشعارات السياسية: صالح في الخطابات، لكنه قابل للتعديل عندما تتغير الحسابات.
أحد أبرز الأمثلة التي يتداولها الاستقلاليون هو تزكية الوزير رياض مزور في إقليم بنسليمان، وهي خطوة قرأها البعض داخل الحزب كإشارة واضحة إلى أن التزكية لم تعد مرتبطة فقط بالمسار النضالي داخل التنظيم، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالموقع داخل دوائر النفوذ.
أما في مدينة سلا، فقد تحولت التزكية إلى مسلسل سياسي مفتوح.
المهندس عزيز هيلالي، عضو اللجنة التنفيذية للحزب والرئيس المنتخب حديثاً للاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة، يطرح نفسه كأحد أبناء الحزب الذين تدرجوا في هياكله التنظيمية، مستنداً إلى دعم عدد من المناضلين الاستقلاليين في المدينة.
غير أن السباق لا يتوقف عند هذا الاسم. فقد دخل على الخط أيضاً العثماني، رئيس تعاضدية الموظفين المنحدر من طرفاية، والذي وجد اسمه فجأة في قلب الحديث عن تزكية سلا. بل إن بعض أنصاره سارعوا إلى نشر أخبار حصوله على التزكية قبل أن يخرج الرجل بنفسه لينفي ذلك في بيان نشره على صفحته.
ويُقال إن العثماني يحظى بدعم من أعيان الصحراء، خاصة من محيط القيادي الاستقلالي حمدي ولد الرشيد، الذي يظل أحد الأسماء المؤثرة داخل الحزب بفضل شبكة الأعيان التي يتحكم فيها في الأقاليم الجنوبية.
ورغم هذا الحراك، يبقى اسم إدريس السنتيسي الأكثر تداولاً في كواليس الحزب كمرشح قوي لنيل التزكية في سلا المدينة. ويستند هذا الطرح إلى حضوره الانتخابي في أحياء مثل بطانة وحي السلام، إضافة إلى علاقاته السياسية داخل الحزب، خصوصاً مع القيادي الاستقلالي عبد القادر الكيحل.
لكن اللافت في هذا السياق كان الظهور المفاجئ لإدريس السنتيسي في أحد الأنشطة المحلية التي نظمها عبد القادر الكيحل لتكريم موظفات في باب لمريسة. فقد اعتبر بعض المتابعين هذا الحضور غير مألوف، بالنظر إلى أن السنتيسي لم يكن يظهر كثيراً في الأنشطة أو الاحتفالات التي تنظم في مدينة سلا، سواء كانت رسمية أو سياسية.
في السياسة الحزبية، كما يعرف الجميع، لا تكفي الشعبية وحدها للوصول إلى التزكية. هناك دائماً عوامل أخرى: شبكات النفوذ، التحالفات الداخلية، وأحياناً الدعم القادم من خارج المدينة نفسها.
وهنا تحديداً يظهر ما يسميه البعض داخل الحزب “فن التوازنات” الذي يديره نزار بركة. فمن جهة يتحدث عن تجديد النخب وتحديث الحزب، ومن جهة أخرى يدير عملية توزيع التزكيات كأنها تمرين دقيق في هندسة الولاءات.
والنتيجة أن الاستقلاليين وجدوا أنفسهم أمام مشهد مألوف في السياسة المغربية: المعركة الحقيقية ليست يوم الانتخابات، بل يوم توزيع التزكيات.
أما الناخب، الذي يفترض أن يكون محور العملية الديمقراطية، فيبقى في كثير من الأحيان مجرد متفرج على صراع داخلي يُحسم في الغالب قبل أن تصل صناديق الاقتراع إلى الأحياء.

