بين الخطاب الوردي والواقع الرمادي… أين تختبئ “نبالة” المنصوري؟
في زمنٍ صار فيه المواطن يبحث عن ثمن الطماطم قبل أن يبحث عن معنى “العمل النبيل”، خرجت علينا فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والإسكان وسياسة المدينة، لتخبرنا — بكل ثقة — أن “العمل السياسي عمل نبيل”، وأن بعض الناس “يشوّهون صورة الأحزاب”!
جميل جدًا… لولا أن الواقع يقول العكس تمامًا. فـ”النبالة” التي تتحدث عنها الوزيرة يبدو أنها ضاعت في زحمة الصفقات، والتعيينات، والتبريرات الرسمية التي لا تنتهي. المواطن اليوم لا يشيطن الأحزاب من فراغ، بل من فرط الخيبات التي راكمها على مدى سنوات من الوعود الانتخابية التي تبخّرت أسرع من رصيف في شتاء الرباط.
تصريحات الوزيرة، التي جاءت بنبرة أخلاقية أشبه بخطبة وعظية، تعكس في الحقيقة فجوة عميقة بين السياسي والشارع. فبينما يتحدث المسؤولون عن “العمل النبيل”، يعيش المواطن مع الطرق المحفّرة، والمستشفيات الخاوية، والوظائف التي لم تُولد بعد. أي نبلٍ هذا الذي يجعل الشعب في صف الانتظار، والسياسي في الصف الأول من الامتيازات؟
ثم من قال إن الناس يكرهون السياسة؟ المغاربة — يا سيدتي الوزيرة — لا يكرهون السياسة، بل يكرهون الذين حوّلوها إلى مهنة للكلام دون نتائج، وإلى مسرح لتبادل الأدوار بدل خدمة الوطن. فحين يرى المواطن أن الوجوه لا تتغير، وأن الأزمات تتكرر، فمن الطبيعي أن يتحول احترامه إلى سخرية، وثقته إلى “ميمات” على فيسبوك وتويتر.
كان الأجدر بالسيدة المنصوري أن تبدأ “إصلاح صورة السياسة” من داخل البيت الحزبي نفسه، لا من المنابر. فالثقة لا تُستعاد بالتصريحات الوردية، بل بالفعل الميداني. أما الحديث عن “العمل النبيل” وسط أزمة السكن، وغلاء المعيشة، وصمت الأغلبية، فهو أشبه بمن يبيع العطر في وسط زقاقٍ مليء بالدخان.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة هي أن الشعب لم يعد بحاجة لمن يشرح له نُبل السياسة، بل لمن يُثبت له أن السياسة لا تزال قادرة على أن تكون نبيلة فعلًا. أما الباقي، فمجرد خطابٍ سياسي جميل… يصلح لتزيين نشرات الأخبار، لا لتغيير الواقع.
