برادة يعطي الأسبقية للملاعب بدل المدارس… وعندما يصبح العشب أهم من التلاميذ
يبدو أن السنة المالية الجديدة جاءت لتؤكد ما كان يتهامس به الجميع: وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أصبحت تحمل الرياضة على كتف، والتعليم على كتف آخر… ولكن بميزان مائل جداً، يميل حيث توجد الملاعب اللامعة والكاميرات والافتتاحات الرسمية، لا حيث توجد الأقسام المتداعية والتلاميذ الذين يتقاسمون الطاولات.
الوزير سعد برادة وقف أمام لجنة التعليم بمجلس النواب، وبكل ارتياح، قدّم أرقاماً تكشف أن الملاعب الكبرى تلتهم تقريباً نصف الميزانية المخصصة للرياضة. نعم، نصف الميزانية… ملاعب ضخمة، عشب مستورد، مدرجات جديدة، بينما مدارس عديدة ما زالت بلا ماء ولا كهرباء ولا مرافق صحية، بل بعضها يشتغل داخل “براريك” لا تصلح لا للتعليم ولا لأي كرامة إنسانية.
والمفارقة المضحكة المبكية أن الوزارة خصصت ملياراً ومئة مليون سنتيم لتطوير الملاعب الكبرى، استعداداً ـ كما قيل ـ لاستضافة تظاهرات دولية.
وكأن المدرسة المغربية ليست تظاهرة يومية تستحق ميزانية أكبر من ملعب، وكأن مستقبل أجيال كاملة أقل قيمة من مباراة من تسعين دقيقة.
ورغم محاولة الوزارة إظهار نوع من “التوازن” عبر الإعلان عن ميزانيات لرياضة القرب وإطلاق خمسمئة ملعب صغير وتمويل برامج الرياضيين ذوي المستوى العالي، يبقى سؤال واحد يطارد الجميع: لماذا يتحول الوزير إلى مدافع شرس عن بناء الملاعب، بينما تتحول المدارس إلى مجرد هوامش في خطاب رسمي مليء بالتبريرات؟
ثم يأتي الصندوق الوطني لتنمية الرياضة، الممول من أرباح ألعاب الحظ، ليصب المزيد من الأموال في الملاعب والجامعات الرياضية، بينما الفصول الدراسية تبحث عن صباغة جديدة وطاولات محترمة ونوافذ لا تسرب المطر.
وفي عرض مطوّل، تباهى الوزير بحصيلة إنجازات البنيات التحتية: ألف ومئة وثمانون مركباً سوسيو-رياضياً للقرب، ستة وأربعون ملعباً لألعاب القوى، تسعة ملاعب كبرى، مئة وسبع وخمسون قاعة رياضية…
أرقام كبيرة بلا شك، لكنها لا تُدرّس طفلاً، ولا تصلح سقفاً متساقطاً، ولا ترفع معدلات النجاح، ولا تُعالج الفوارق الصارخة بين المدرسة العمومية والتعليم الخاص.
إن المشهد ببساطة يعكس سياسة واضحة: المزيد من الملاعب… المزيد من الصور… المزيد من التصفيق… وأقل قدر ممكن من الصراحة حول ما يحدث داخل الأقسام. وكأن التعليم صار “فقرة ثانوية” في وزارة تحمل اسمه قبل الرياضة.
وفي النهاية، لن يكون غريباً أن نستيقظ يوماً على وزارة جديدة اسمها: وزارة الملاعب وبعض التعليم. لأن الواقع يسير في هذا الاتجاه فعلاً، حيث يتحول العشب الأخضر إلى أولوية وطنية، بينما يواصل التعليم فقدان آخر ما تبقى من لونه.
