المحامون ووزارة العدل: من طاولة الحوار إلى حافة التصعيد
لم يعد الخلاف بين هيئات المحامين و**وزارة العدل** مجرد تباين في وجهات النظر، بل تحول إلى ما يشبه مباراة شدّ الحبل، حيث يعتقد كل طرف أنه وحده من يمسك بشرعية “المسار الصحيح”، فيما الحبل نفسه ـ أي منظومة العدالة ـ مهدد بالتمزق.
الجمعيات المهنية للمحامين ترى أن الوزارة قررت السير وحيدة، بخطوات سريعة وقرارات أحادية، وكأن مهنة المحاماة تفصيل إداري يمكن تجاوزه. خرقٌ للمسار، هكذا تصفه الهيئات، لأنه لا يضرب فقط مصالح مهنية، بل يمس جوهر الدور الدستوري للمحامي كضامن لحق الدفاع وشريك في تحقيق شروط المحاكمة العادلة.
في المقابل، لا تتردد الهيئات في تحميل الوزارة كامل المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع. فالأزمة، حسب قراءتها، ليست قدراً مفاجئاً، بل نتيجة مباشرة لسوء تدبير الملف، والانتقال من منطق التشاور إلى منطق السرعة، وكأن الحوار ترفٌ مؤجل، لا ضرورة مؤسسية.
قرار التوقف عن العمل لم يأتِ، إذن، من فراغ. بل قُدِّم باعتباره رسالة إنذار، ودعوة مفتوحة لكل المحاميات والمحامين للانخراط في أشكال نضالية متعددة. الرسالة واضحة: استقلالية المهنة ليست بنداً قابلاً للتفاوض السريع، ومكانتها لا تُحمى بالبلاغات، بل بالفعل الجماعي.
هذا التصعيد ليس سوى بداية، كما تقول الهيئات. مرحلة جديدة تُفتح، عنوانها الضغط المهني بدل الاكتفاء بالمذكرات، ما يعني أن التوتر مرشح للارتفاع، وأن العلاقة بين الجسم المهني والوزارة دخلت منطقة رمادية، لا هي قطيعة كاملة ولا هي شراكة مستقرة.
في قلب هذا النزاع، يطفو مشروع القانون 66.23، بكل ما يحمله من نقاط خلاف: شروط الولوج إلى المهنة، مسارات التكوين، المسطرة التأديبية، وحدود الاحتجاج داخل المحاكم. مشروع يرى فيه المحامون إعادة رسم للعبة من جانب واحد، فيما تعتبره الوزارة إصلاحاً ضرورياً لا يحتمل التأجيل.
الخطير في كل هذا، أن الخلاف انتقل من طاولات النقاش الرسمية إلى الشارع المهني. ضغط مقابل ضغط. وإذا استمرت القطيعة، فإن منظومة العدالة برمتها قد تجد نفسها وسط صراع لا رابح فيه، سوى لغة التصعيد… ولا خاسر فيه إلا الثقة.
