الطالبي العلمي يتحدث عن الإنجازات… والمغاربة يحسبون الغلاء
اختُتمت بمدينة طنجة، “بوابة المغرب على أوروبا وإفريقيا”، الجولة التواصلية الموسومة بـ“مسار الإنجازات”، في مشهد سياسي بدا أقرب إلى مهرجان خطابي منه إلى وقفة محاسبة. مدينة ذات رمزية كبرى، اختيرت بعناية لتكون مسك الختام، وكأن الجغرافيا قادرة على ترميم ما لم تنجح فيه السياسات.
رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، حرص على التأكيد أن الجولة ليست مجرد لقاءات تنظيمية، بل “رسالة سياسية” تربط شمال المملكة بجنوبها. رسالة جميلة في الصياغة، لكن المغاربة، كما يبدو، توصلوا برسائل أخرى: فواتير مرتفعة، أسعار ملتهبة، وواقع يومي لا يحتاج إلى جولات تواصلية لشرحه.
الحزب، وفق الخطاب الرسمي، لم يعد يفكر بمنطق انتخابي ضيق، بل يتبنى “رؤية تنموية مستدامة” مستندة إلى ما سُمي بـ“فكر 46”. غير أن المواطن، وهو يتجول بين سوق الخضر ومحطة الوقود، لا يصادف هذا الفكر، بل يصطدم مباشرة بفكر الغلاء، حيث ترتفع الأسعار بسرعة تفوق سرعة الخطب والشعارات.
الطالبي العلمي دعا إلى عقلانية ميدانية، وإنصات مباشر، والابتعاد عن الشعبوية. دعوة نبيلة، لولا أن جزءًا واسعًا من المواطنين يرى أن أكبر شعبوية اليوم هي الحديث عن “الإنجازات” في زمن العجز عن تأمين العيش الكريم. فالتعليم، في نظر كثيرين، لم يُصلح، بل أُسند إلى من لا علاقة لهم به، والصحة ظلت جرحًا مفتوحًا، إلى أن خرج جيل كامل، جيل Z، إلى الشارع مطالبًا بأبسط الحقوق.
ورغم الحشد الذي قيل إنه تجاوز ثلاثة آلاف مشارك، فإن التعليقات المتداولة خارج القاعة بدت أكثر كثافة وحدّة. مواطنون تساءلوا بسخرية: أي إنجاز يمكن إقناع الناس به، والمغربي يعيش يوميًا سباقًا خاسرًا مع الغلاء؟ آخرون اعتبروا أن الخطاب السياسي الحالي لا يتجاوز حدود “الحكاية”، بينما الواقع يكتب فصوله بالأرقام والأسعار.
في منصات التواصل، ارتفعت نبرة الغضب، وامتزجت بالسخرية. اتهامات بالكذب السياسي، وبالدفاع عن مصالح فئوية ولوبيات نافذة، وبتمرير قوانين يرى فيها منتقدون حماية للمفسدين لا للمواطنين. بل ذهب بعضهم أبعد من ذلك، معتبرين أن الحكومة الحالية تُجسّد أسوأ ما مر في تاريخ التدبير العمومي الحديث، حيث اختُزلت “الإنجازات” في مشاريع خاصة ومصالح ضيقة.
وبين من لوّح بالمحاسبة في الانتخابات المقبلة، ومن استحضر لغة دينية وتاريخية للتحذير من عواقب غضب الشعوب، بدا واضحًا أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والوجدان الشعبي لم تعد قابلة للترميم بجولة تواصلية أخرى، ولا بشعار جديد.
“مسار الإنجازات” انتهى في طنجة، لكن مسار الغضب ما زال مفتوحًا. وبينما يواصل الساسة التنقل بين المدن، يواصل المواطن التنقل بين الوعود والواقع… وغالبًا ما يصل إلى النتيجة نفسها: الكلام كثير، والجيب فارغ.

