الصحة في الإنعاش والصفقات في الانتعاش.. موسم الفوضى الحكومية؟
حين يتحول المستشفى العمومي إلى سرير للموت البطيء والصفقات إلى علاج مفضل لدى الوزارة
في وقت يُنتظر فيه من وزارة الصحة أن تنهض بجودة الخدمات وتعيد الثقة للمواطن المغربي، اختارت هذه الأخيرة أن تلبس عباءة “وزارة الصفقات”، على حد تعبير النائبة البرلمانية ربيعة بوجة.
الوزارة التي يفترض أن تكون الجدار الأخير في وجه الانهيار الصحي، باتت تُتهم بمنح صفقات تجهيز مؤسسات حيوية كالمستشفى الجامعي ابن سينا لأسماء معروفة، دون أدنى احترام لمبدأ التنافس الشريف.
تقول بوجة، بمرارة لا تخفى، إن الوزارة الحالية تحولت إلى هيئة متخصصة في اصطياد الصفقات وتوزيعها، بينما يواصل المستشفى العمومي احتضارًا هادئًا خلف أسوار الصمت والمجاملات السياسية.
لم تعد الدولة الاجتماعية في منظور المعارضة إلا شعارًا باهتًا أمام واقع مؤلم ومكشوف، حيث أروقة المستشفيات أضحت فضاءً للحيرة أكثر من كونها فضاءً للاستشفاء.
وزير الصحة خرج ليطمئن الجميع بأن هناك مشاريع للتجهيز والبناء. لكن ما لم يقله الوزير، أن البناية وحدها لا تشفي، وأن الصفقة لا تُغني المريض عن حقه في كرامة العلاج. فما معنى تجهيز مستشفى إذا ظل المريض يعاني من غياب الأطر الطبية ونقص المعدات الفعلية؟
وكيف يمكن الحديث عن إصلاح في ظل انتقائية واضحة في تفويت الصفقات التي أصبحت توجّه نحو جيوب بعينها قبل أن تصل إلى المرضى؟
كل هذا يحدث في صمت مطبق. لا افتحاص. لا محاسبة. لا شفافية في المعايير. فقط كلام ناعم في بلاغات رسمية، وواقع صادم في أقسام الطوارئ والمصالح الاستشفائية.
مصادر داخل الوزارة تهمس بأن بعض هذه الصفقات تمرر بأسماء بعينها سبق أن تم تجهيزها بالمعطيات والمواصفات المطلوبة، مما يمنحهم أفضلية غير معلنة في سباق محسوم سلفًا. فهل نحن أمام إعادة إنتاج لفضيحة البرنامج الاستعجالي؟
أم أننا أمام طبعة صحية محسّنة لمسرحية قديمة عنوانها “العبث في تدبير المال العام”؟
في المقابل، لا يزال المواطن البسيط يتنقل بين المستشفيات بحثًا عن سرير، وعن دواء، وعن طبيب لا يتذرع بعدم وجود التجهيزات. بينما بعض المحظوظين ينهبون الصفقات من خلف الستار، ويغادرون من الباب الخلفي دون أن يسمع لهم صوت، إلا في دفاتر الحسابات البنكية.
تطالب المعارضة اليوم، وبحق، بتدقيق خارجي مستقل، وبتحقيق شفاف حول كيفية تفويت هذه الصفقات. أما الوزارة، فتواصل ارتداء قناع الإنجاز رغم أن الواقع يزداد ترديًا.
وبين الخطاب السياسي والواقع الاستشفائي، يقف المواطن شاهداً على مسرحية طويلة، نهايتها مفتوحة على احتمالات أقلها الإحباط.
السؤال الجوهري الذي يطرحه الجميع الآن: هل ستتحول وزارة الصحة إلى أداة لتوزيع الصفقات؟ أم أنها ستعود إلى وظيفتها الأصلية: حماية صحة المغاربة؟

