...

الشباب الحزبي بين الفراغ السياسي وتسويق الواجهة

الشباب الحزبي بين الفراغ السياسي وتسويق الواجهة

لحسن شرماني

في المشهد السياسي المغربي، لم يعد حضور الشباب علامة على التجديد بقدر ما أصبح، في بعض الحالات، علامة على الفراغ. نموذج “الشاب التجمعي” كما يقدَّم اليوم لا يعكس حيوية سياسية، بل يكشف خللًا أعمق في طريقة صناعة النخب، حيث يحضر الشكل ويغيب المضمون، وتُعرض الحماسة بدل الفكرة.

داخل التجمع الوطني للأحرار، يبدو الخيط الفاصل بين الحزب وشبيبته قد تلاشى. لم تعد الشبيبة فضاءً للتكوين والتأطير، بل تحولت أحيانًا إلى امتداد مباشر للخطاب الرسمي، دون مسافة نقدية أو استقلالية فكرية. الشاب لا يتعلم كيف يفكر، بل كيف يرد. لا يُدرَّب على التحليل، بل على الحضور.

الإعلام، بدوره، لم يقف بعيدًا عن هذا الانزلاق. بعض المنابر اختارت أن تستضيف وجوهًا غير متمرسة في النقاش السياسي، وقدّمتها كصوت يمثل جيلًا كاملًا. النتيجة كانت نقاشات سطحية، سريعة، تُشبه جدالات المقاهي أكثر مما تُشبه حوارات سياسية يفترض أن تُنتج أفكارًا. الصحفي هنا لا يكتفي بالنقل، بل يساهم – بقصد أو دون قصد – في صناعة هذا المشهد.

المفارقة أن السياسي، الذي يُفترض أن يرفع مستوى النقاش، ينزل أحيانًا إلى نفس الدرجة. لا يميّز بين نقاش يومي عابر ونقاش سياسي يفترض أن يكون مؤسسًا. يستبدل الحجة بالرد السريع، ويختصر الموقف في جملة جاهزة، وكأن السياسة فقدت صبرها… أو فقدت عمقها.

وفي الخلفية، تتحرك معادلة أكثر حساسية. التوظيف في الوظيفة العمومية، الذي يفترض أن يقوم على الكفاءة، يُنظر إليه من زاوية أخرى: علاقات، ولاءات، ومسارات غير شفافة.

حين يرى الشاب أن الطريق لا يمر عبر الجدارة، بل عبر القرب، يتحول الانخراط السياسي من مشروع نضالي إلى استثمار شخصي.

وهنا يظهر جوهر الأزمة. السياسة لم تعد بالنسبة للبعض فضاءً لخدمة القضايا، بل سلّمًا للوصول. الأولويات تغيّرت: من الدفاع عن الأفكار إلى البحث عن المواقع، من بناء الثقة إلى اقتناص الفرص. ومع هذا التحول، يفقد الخطاب السياسي صدقيته، ويتحول إلى تمرين في التبرير أكثر منه تعبيرًا عن قناعة.

السخرية في كل هذا أن الأحزاب تتحدث عن تجديد النخب، لكنها في الواقع تعيد إنتاج نفس النموذج… فقط بوجوه أصغر سنًا. نفس الأساليب، نفس اللغة، ونفس الغاية. الفرق الوحيد أن الغلاف أصبح أكثر شبابًا، أما المحتوى فبقي على حاله.

في النهاية، لا تكفي إضافة “شباب” إلى الصورة لإقناع الناس بوجود تغيير. التغيير يبدأ حين يمتلك هذا الشباب أدوات التفكير، لا فقط أدوات الظهور. وحين يصبح النقاش أعمق من مجرد رد فعل، وأبعد من مجرد استعراض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى