
السلطة في الجزائر بين حكم الأجهزة وصراعات الجنرالات
السلطة في الجزائر بين حكم الأجهزة وصراعات الجنرالات
في الجزائر، لا تُقرأ السياسة من الخطب الرسمية ولا من بيانات الحكومة. هناك مكان آخر تُصنع فيه القرارات. مكان لا يظهر في نشرات الأخبار، لكنه حاضر في كل تعيين وإعفاء واعتقال مفاجئ. هكذا تبدو السلطة في الجزائر: نظام يتحرك في الظل بينما تتغير الوجوه في الواجهة.
المشهد يشبه مسرحاً سياسياً يتبدل فيه الممثلون باستمرار، بينما يبقى النص نفسه. تظهر أسماء جديدة، تختفي أخرى، وتُعاد كتابة قواعد اللعبة كل بضع سنوات، لكن البنية العميقة للسلطة لا تتغير. الدولة هناك تبدو كصندوق مغلق بإحكام، لا يُفتح إلا قليلاً، ثم يُغلق بسرعة قبل أن يفهم أحد ما يجري داخله.
كتاب «قاموس الخدمات السرية الجزائرية» للصحفي أدلان مدي يحاول إلقاء الضوء على هذا العالم الغامض. ليس لأن الجزائر دولة بلا مؤسسات، بل لأن المؤسسات نفسها تعمل في كثير من الأحيان تحت ظلال أجهزة الأمن والاستخبارات. القرار السياسي لا يولد في قاعة البرلمان بقدر ما يتشكل داخل شبكة معقدة من مراكز النفوذ.
هذا الإرث يعود إلى حرب التحرير الجزائرية التي أسست دولة خرجت من رحم المعركة. ومنذ ذلك الحين، أصبح الأمن هو اللغة الأولى للحكم. الدولة التي ولدت من البندقية ظلت تنظر إلى السياسة بعين الجنرال أكثر مما تنظر إليها بعين السياسي.
لذلك لا يبدو غريباً أن تتحول المظاهرات السلمية إلى تهديد أمني في نظر السلطة، وأن يُنظر إلى الاختلاف السياسي باعتباره اختباراً لولاء الدولة. فالنظام الذي تربى على منطق المعركة لا يتقن كثيراً فن الحوار.
داخل هذا البناء، تلعب الأجهزة الأمنية الدور المركزي. فهي التي تراقب المجال العام، وترسم الحدود غير المرئية للسياسة، وتحدد من يقترب من مركز القرار ومن يُبعد عنه. وبين الجيش والدائرة الرئاسية وأجهزة الاستخبارات تتشكل معادلة الحكم التي تبدو في ظاهرها دولة مؤسسات، لكنها في العمق شبكة توازنات دقيقة بين مراكز القوة.
ومع ذلك، لا تسير هذه المنظومة دائماً بهدوء. فداخل البيت الأمني نفسه توجد صراعات نفوذ لا تقل حدة عن الصراعات السياسية في الدول الأخرى. أحداث أكتوبر 1988 كانت إحدى اللحظات التي كشفت حجم التوتر بين السلطة السياسية والأجهزة الأمنية.
ثم جاءت مرحلة العشرية السوداء لتمنح الأجهزة الأمنية نفوذاً استثنائياً باسم حماية الدولة من الإرهاب. ومع مرور الوقت أصبح الأمن ليس مجرد وظيفة للدولة، بل أسلوباً لإدارة الحكم.
في عهد عبد العزيز بوتفليقة حاولت الرئاسة إعادة ترتيب هذه المعادلة وتقليص نفوذ بعض الأجهزة، لكن الصراع لم يختفِ، بل تغيرت مواقعه. الصدام بين أحمد قايد صالح وشبكات جهاز الاستخبارات السابق كان أحد فصول هذه المعركة الطويلة داخل السلطة.
ومع الحراك الشعبي سنة 2019 تغيرت الوجوه مرة أخرى. سقطت رموز، وظهرت أخرى، وأُعيد توزيع الأدوار داخل النظام. لكن البنية نفسها بقيت صامدة، وكأن الجزائر تعيش في دورة سياسية تتغير فيها التفاصيل بينما يبقى الجوهر ثابتاً.
اليوم، تبدو الدولة وكأنها تواصل السير بنفس القواعد القديمة: واجهة سياسية تتحدث باسم الشعب، ونظام عميق يفضل إدارة الأمور بعيداً عن الأضواء.
النتيجة أن الجزائر لا تعيش أزمة وجوه بقدر ما تعيش أزمة نموذج حكم. نموذج وُلد في زمن الثورة، واستمر في زمن الدولة، وما يزال يحاول التكيف مع زمن مجتمع لم يعد يقبل أن تُدار السياسة خلف الأبواب المغلقة.






