Site icon الاخبار24

الخطاب الملكي يضع الحكومة أمام امتحان الجدية

الخطاب الملكي يضع الحكومة أمام امتحان الجدية

الخطاب الملكي يضع الحكومة أمام امتحان الجدية

لم يكن الخطاب الملكي في افتتاح الدورة التشريعية الجديدة مجرد حدث بروتوكولي يُعلن انطلاق موسم سياسي آخر، بل جاء بمثابة وثيقة توجيهية صارمة، أعادت ترتيب أولويات الدولة ورسّخت مبدأ جديدًا في الحكم: لا مكان بعد اليوم للخطابات المنمّقة، بل للنتائج الملموسة فقط.

لقد وضع جلالة الملك محمد السادس الحكومة والبرلمان وجميع الفاعلين السياسيين أمام مسؤولياتهم الحقيقية، داعيًا إلى العمل بجدية ومسؤولية وإلى تجاوز زمن التبريرات والمماطلات. فالمغاربة، كما قال الخطاب ضمنيًا، لم يعودوا ينتظرون وعودًا ولا خططًا مستقبلية، بل يريدون واقعًا يتحسن، وخدماتٍ عموميةً تليق بمواطني القرن الواحد والعشرين.

وجاءت الإشارة الملكية إلى أن التنمية لا يمكن أن تكون شعارًا متكررًا، بل مسارًا فعليًا يتجلى في التعليم والصحة وفرص الشغل، وفي العدالة المجالية التي تضمن الإنصاف بين المدن والقرى، والساحل والجبل. كما شدد الخطاب على ضرورة محاربة البيروقراطية والتهاون الإداري، واعتبار الوقت والفعالية رأس مال الدولة الحديثة.

في العمق، كان الخطاب أيضًا نداءً موجّهًا إلى الشباب المغربي، وخاصة الجيل الجديد الذي لا يعبّر عن رأيه عبر المظاهرات أو صناديق الاقتراع فقط، بل من خلال الفضاء الرقمي الذي أصبح ساحة للنقاش والاحتجاج. هذا الجيل، كما بدا من سياق الخطاب، يمثل ضميرًا حيًا يُطالب بالمحاسبة ويقيس الوطنية بالفعل لا بالكلام.

الملك تحدث بوضوح عن الحاجة إلى ثقافة النتائج، وهي العبارة التي قد تختزل فلسفة المرحلة المقبلة: أن يُقاس كل مسؤول بما أنجز، لا بما وعد. فالإصلاح لم يعد رفاهيةً سياسيةً، بل ضرورةً وجوديةً في دولةٍ تسعى إلى أن تكون “مغربًا صاعدًا”، كما وصفه جلالته في أكثر من مناسبة.

من جهة أخرى، حمل الخطاب توبيخًا غير مباشر للإعلام العمومي، الذي بات مطالبًا بممارسة دوره الحقيقي كسلطة رابعة تُسائل وتراقب، لا كمنبر للترويج الرسمي. فالمواطن اليوم لا يصدق الصورة ما لم يرَ خلفها أثرًا، ولا يقتنع بالتصفيق ما لم تسبقه المحاسبة.

إنّ الرسالة الملكية كانت صريحة: إما الجدية أو الفشل. وهي رسالة يجب أن تُقرأ لا كتحذيرٍ عابر، بل كخريطة طريقٍ ملزمة لكلّ من يتولى الشأن العام. فإما أن تنتقل الحكومة من منطق الإدارة البطيئة إلى منطق الدولة الفاعلة، وإما أن تتآكل الثقة بين المؤسسات والمجتمع أكثر فأكثر.

باختصار، ما بعد الخطاب الملكي ليس كما قبله. فالمملكة دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الكبير: “العمل الملموس أساس الشرعية السياسية”. ومن لم يفهم الرسالة بعد، فسيكتشفها حتمًا في لغةٍ أخرى… لغة الواقع الذي لا يرحم المتقاعسين.

Exit mobile version