الحركة الشعبية على صفيح ساخن: مقاطعات، انشقاقات، وحزب يبحث عن نفسه

الحركة الشعبية على صفيح ساخن: مقاطعات، انشقاقات، وحزب يبحث عن نفسه

يبدو أن حزب الحركة الشعبية يعيش واحدة من أكثر لحظاته ارتباكًا، حيث تحوّلت الاجتماعات الحزبية من فضاء للتداول السياسي إلى مناسبة لتسجيل الغياب… المقصود طبعًا.

فـ**إدريس السنتيسي**، رئيس الفريق البرلماني للحزب بمجلس النواب، يواصل مقاطعة اجتماعات المكتب السياسي، في خطوة لم تعد تُقرأ كحركة احتجاج عابرة، بل كإعلان غير مكتوب عن قطيعة سياسية تتعمّق يومًا بعد آخر.

السنتيسي ليس وحده في هذا “الغياب المنظم”. أسماء وازنة داخل الحزب، من بينها حميد كوسكوس، اختارت بدورها عدم حضور الاجتماع الأخير الذي ترأسه امحند العنصر، وكأن الرسالة واضحة: الحزب يجتمع… لكن بدون جزء من قيادته.

اللافت أن الغياب لم يعد غاية في حد ذاته، بل وسيلة تمهيدية لسيناريو أكثر جرأة. فوفق ما يروج داخل الكواليس، يدرس السنتيسي، إلى جانب برلمانيين وأعضاء من المكتب السياسي، خوض الاستحقاقات التشريعية المقبلة بألوان حزبية أخرى. خطوة إن تأكدت، ستجعل من الحركة الشعبية حزبًا يودّع أبناءه واحدًا تلو الآخر، بدل أن يقدّم نفسه كرافعة سياسية قادرة على الاستقطاب.

أسباب هذا التصدّع لا تُخفى كثيرًا. الخلافات الشخصية مع الأمين العام محمد أوزين، ومع حليمة العسالي، التي يُنظر إليها كرقم صعب داخل الحزب، تحوّلت من تباين في وجهات النظر إلى صراع مفتوح. حادثة التلاسن التي وقعت بين السنتيسي والعسالي خلال أحد الاجتماعات لم تكن سوى عرضٍ علنيّ لمرض داخلي مزمن: حزب يُدار بمنطق الأشخاص أكثر من منطق المشروع.

وفي خضم هذا المشهد، لم يأتِ خروج مجموعة من أتباع حميد شباط إلا ليُكمل الصورة. هؤلاء الذين التحقوا سابقًا بالحركة الشعبية ضمن ما سُمّي تيار “التكتل الديمقراطي”، قرروا المغادرة، وكأن الحزب بات محطة عبور لا بيتًا سياسيًا دائمًا.

السخرية هنا أن الحركة الشعبية، التي طالما رفعت شعار القرب من المواطن والإنصات للقاعدة، تجد نفسها اليوم منشغلة بإدارة خلافاتها الداخلية، وعدّ المقاعد الفارغة في اجتماعاتها. حزب يتقلّص حضوره السياسي كلما اقترب موعد الانتخابات، ويبدو عاجزًا عن إنتاج إجماع داخلي، ناهيك عن إقناع الشارع.

في المحصلة، ما يحدث داخل الحركة الشعبية ليس مجرد أزمة تنظيمية، بل علامة على إفلاس سياسي بطيء. فحين يصبح الغياب أبلغ من الحضور، وتتحول الاجتماعات إلى مناسبات للتوتر، يكون السؤال الحقيقي ليس: من غادر؟ بل: ماذا تبقّى من الحزب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى