التعليم لمن استطاع إليه سبيلاً: برادة يُشرعن الطبقية ويثير السخرية

التعليم لمن استطاع إليه سبيلاً: برادة يُشرعن الطبقية ويثير السخرية

في خطوة عبقرية لم تخطر حتى على بال “ابن بطوطة” في زمانه، خرج علينا وزير التربية الوطنية، السيد محمد سعد برادة، بنظرية بيداغوجية جديدة يمكن تلخيصها في عبارة واحدة: “التعليم لمن استطاع إليه سبيلاً… ونقلاً”.

الوزير، الذي يبدو أنه خلط بين حقيبة التعليم وحقيبة النقل واللوجستيك، دعا الآباء المغاربة بكل أريحية إلى شد الرحال وقطع الفيافي والقفار بحثاً عن “المدرس الجيد”، حتى لو كان هذا المدرس يقطن في “أقاصي الدنيا”.

وكأن المدرسة العمومية لم تعد مؤسسة للقرب، بل أصبحت “كنزاً مفقوداً” في جزيرة نائية، ومن يجدها فهو “الناجي” الوحيد.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، لم يكتفِ الوزير بتحويل التعليم إلى “رالي دكار”، بل أتحفنا بتصنيف طبقي جديد للموارد البشرية، مؤكداً أن “أكفس المدرسين” (على حد تعبيره البليغ) يتم نفيهم إلى القرى والمداشر. يا لها من صراحة سياسية! فبدل أن يعتذر لسكان الأرياف عن عقود من التهميش، قرر الوزير أن يخبرهم ببساطة: “أنتم لستم فقط معزولين جغرافياً، بل إننا نرسل إليكم أسوأ ما لدينا”.

هذا التصريح، الذي يعتبر “إهانة مزدوجة” لسكان القرى ولرجال التعليم الشرفاء الذين يعملون في ظروف قاسية، يطرح تساؤلاً مشروعاً: إذا كانت الوزارة تعلم أن هناك “أكفس مدرسين”، فلماذا لا تزال تدفع لهم رواتبهم؟ أم أن القرية في نظر المسؤولين هي مجرد “سلة مهملات” للتخلص من الفائض غير المرغوب فيه؟

المثير للضحك المبكي في كلام الوزير هو دعوته للآباء لاختيار المدرس والمدرسة، وكأن ولي الأمر في المغرب يدخل إلى “سوبر ماركت” التعليم ليختار ما يشتهيه.

يبدو أن السيد الوزير، القادم من عالم المال والأعمال، نسي -أو تناسى- وجود شيء اسمه “الخريطة المدرسية”، وأن المدير هو من يوزع التلاميذ، وأن الآباء لا يملكون ترف الاختيار أصلاً. فهل يعيش الوزير معنا في نفس الكوكب؟ أم أنه يتحدث عن منظومة تعليمية في “فنلندا”؟

ولأن شر البلية ما يضحك، فقد تكفل رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالرد، حيث أبدع الذكاء الاصطناعي في تصوير المغاربة وهم يجرون منازلهم خلفهم بحثاً عن “مدارس الريادة”. وربما هذا هو الحل الأمثل: “السكن المتنقل” لمطاردة الأستاذ الجيد أينما حل وارتحل!

وفي مشهد يختصر الارتباك الحكومي، سارع حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حذف فيديو اللقاء من منصاته. يا لها من استراتيجية ذكية! فبدل تصحيح الخطأ أو الاعتذار عنه، نلجأ إلى زر “Delete”، وكأن مسح الفيديو سيمسح الإهانة من ذاكرة المغاربة.

أما “مدارس الريادة”، تلك القلاع الحصينة التي بشرنا بها الوزير، فقد عراها الواقع سريعاً. كتب ناقصة، مديرون غائبون، وتجهيزات متعثرة.. لكن لا بأس، المهم هو “الشعار”، والمهم أن يقتنع المواطن بأنه هو المسؤول عن فشل ابنه لأنه لم يركب الحافلة ويسافر للبحث عن المدرسة الموعودة.

السيد الوزير، التعليم حق دستوري وليس “رحلة صيد”. ودوركم هو تقريب المدرسة الجيدة من المواطن، وليس تحويل المواطن إلى “رحالة” يطارد سراب الجودة. فإذا كانت نصيحتكم للأسر هي “البحث عن الأفضل في مكان بعيد”، فربما يحق للمغاربة أيضاً أن يطبقوا نفس النصيحة.. ويبحثوا عن “وزير جيد” ولو في الصين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى