استثمار بالأرقام… وواقع بلا وظائف: كريم زيدان يبيع الأمل بالشرائح

استثمار بالأرقام… وواقع بلا وظائف: كريم زيدان يبيع الأمل بالشرائح

مرة أخرى، اعتلى الوزير المكلف بالاستثمار كريم زيدان منصة مجلس النواب، لا ليُقنع، بل ليُتقن فن السرد. خطاب أنيق، أرقام لامعة، ومفردات جاهزة عن “تحسين مناخ الأعمال” و“دينامية الاستثمار”، كأن البلاد تعيش طفرة صناعية، وكأن سوق الشغل لم يعد يعرف البطالة إلا في كتب التاريخ.

لكن، خلف هذا العرض المسرحي، تتسع الهوة بين ما يُقال تحت قبة البرلمان وما يعيشه المستثمر والمواطن خارجها. فالمشاريع الصناعية الكبرى التي تُقدَّم كإنجازات استراتيجية، لم تُحدِث التحول الموعود، لا في النسيج الصناعي ولا في التشغيل. مصانع ضخمة، نعم، لكن بأثر اجتماعي محدود، ووظائف أقل بكثير من الامتيازات السخية التي مُنحت لها.

أما فرص الشغل التي تُعلَن بحماس، فهي غالبًا أرقام للاستهلاك الإعلامي أكثر منها واقعًا اقتصاديًا. الاندماج المحلي يظل ضعيفًا، والمقاولات الصغيرة والمتوسطة تُراقب من بعيد، كأنها ضيف غير مرغوب فيه داخل منظومة استثمار صُممت لكبار اللاعبين فقط. الاستثمار حاضر، لكن دون جذور محلية حقيقية.

وعندما يتحدث الوزير عن “تحسين مناخ الأعمال”، يبدو أن المقصود هو تحسين المؤشرات الورقية لا التجربة الواقعية. فالعقار الصناعي ما يزال لغزًا، والبيروقراطية تمارس رياضتها المفضلة في إنهاك المستثمر المحلي، بينما تُفرغ كل الجهود من مضمونها قبل أن تصل إلى أرض الواقع.

الأكثر إثارة للسخرية، أن السياسات الاستثمارية تُوجَّه بوصلةً نحو الخارج، بحثًا عن مستثمر أجنبي يُلتقط في صورة رسمية، بينما يُترك الفاعل المحلي يصارع التعقيدات وحده. النتيجة؟ تآكل الثقة، واستثمار يبدو معلقًا في الهواء، لا يلامس الاقتصاد الحقيقي ولا العدالة الاجتماعية.

المعضلة الحقيقية لا تكمن في نقص الخطاب، بل في غياب تقييم صارم لأثر الاستثمار: ماذا أضاف للاقتصاد؟ من استفاد؟ وأين ذهبت الوعود؟ دون هذا التقييم، يظل الاستثمار الصناعي مشروعًا معزولًا، يلمع في العروض التقديمية، ويغيب في حياة الناس.

اليوم، لم يعد المطلوب مزيدًا من الأرقام ولا شرائح العرض، بل شجاعة سياسية للاعتراف بالفجوة، ووضع آليات تقييم حقيقية تُعيد ربط الاستثمار بالتشغيل والكرامة الاقتصادية. غير ذلك، سيبقى الاستثمار كما يقدمه الوزير: جميلًا في الخطاب… خفيفًا في الأثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى