اختلالات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة تفضح كواليس التدبير
تعود اختلالات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة إلى واجهة النقاش، لكن هذه المرة ليس من باب النقد العابر، بل من زاوية احتقان داخلي بدأ يتسرب بصمت إلى كواليس مؤسسة يفترض فيها أن تعكس صوت المرفق العمومي لا صدى اضطراباته. الحديث عن تغييرات مرتقبة في القيادة لم يعد مجرد إشاعة عابرة، بل تحول إلى مؤشر على ارتباك أعمق، يتجاوز الأشخاص إلى طريقة تدبير مؤسسة بحجم وتأثير الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة.
المعطيات المتداولة داخل أروقة المؤسسة ترسم صورة غير مريحة، حيث تتقاطع الاختلالات الإدارية مع مؤشرات مالية تثير القلق، خاصة داخل القناة الأولى، التي يفترض أن تكون واجهة الإنتاج العمومي. غير أن ما يُروج له يعكس وضعًا مغايرًا، تُصرف فيه الموارد بسخاء، بينما تظل النتائج دون التطلعات، وكأن الاستثمار في البرامج لا يقاس بمدى تأثيرها، بل بقدرتها على استنزاف الميزانيات.
في قلب هذه المعادلة، تبرز حالات تعيين تثير الكثير من علامات الاستفهام، من بينها مسؤول بمديرية البرامج الثقافية يتقاضى تعويضات سنوية مرتفعة، دون أن يقابل ذلك حضور فعلي في الإنتاج أو إشراف ملموس على المشاريع. وضع كهذا لا يمر دون أن يترك أثره داخل المؤسسة، حيث يتحول إلى نموذج صامت لما يمكن أن تؤول إليه الإدارة حين تُغلب العلاقات على الكفاءة، ويصبح المنصب امتيازًا أكثر منه مسؤولية.
المفارقة التي تزيد الصورة وضوحًا هي أن بعض هذه الاختلالات لم تُطرح للنقاش إلا بعد زيارة قضاة المجلس الأعلى للحسابات، وكأن آليات الرقابة الداخلية اختارت الصمت، إلى أن جاء التدقيق الخارجي ليعيد ترتيب الأولويات بشكل مؤقت. هذا السلوك يعكس خللًا في ثقافة التدبير، حيث تُعالج المشاكل تحت الضغط بدل أن تُستبق عبر حكامة فعالة.
داخل المؤسسة، لا يتوقف الحديث عند حدود التسيير، بل يمتد إلى ما يشبه شبكة غير مرئية من المصالح، حيث يُشتكى من تفشي الزبونية والمحسوبية في إسناد الصفقات والمشاريع. شركات معينة تحظى بالأولوية، ليس بناءً على جودة عروضها، بل لقربها من دوائر القرار، في مشهد يعيد إنتاج نفس الأسئلة القديمة حول تكافؤ الفرص داخل قطاع يُفترض فيه الشفافية.
هذا المناخ لا يمكن أن يمر دون أثر مباشر على المردودية المهنية. إنتاج برامج مكلفة لا تجد طريقها إلى البث، أو مشاريع تبدأ بحماس ثم تتوقف بعد استنزاف الموارد، أصبح جزءًا من يوميات المؤسسة. النتيجة ليست فقط خسارة مالية، بل فقدان تدريجي للثقة في قدرة المرفق العمومي على تقديم محتوى يعكس انتظارات الجمهور.
وسط هذا المشهد، يبرز مطلب الإصلاح كخيار لم يعد يحتمل التأجيل. إصلاح لا يقتصر على تغيير الأسماء أو إعادة توزيع المناصب، بل يتجه نحو تفكيك منطق الامتيازات، وإعادة الاعتبار لمبدأ الكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمؤسسة التي تُمول من المال العام تحتاج إلى ما هو أكثر من توازنات داخلية، تحتاج إلى وضوح في الرؤية وصرامة في التدبير.
في النهاية، تبقى اختلالات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة عنوانًا لمرحلة تتطلب مراجعة هادئة ولكن حاسمة، لأن استمرار الوضع على ما هو عليه لا يعني فقط إهدار الموارد، بل يضعف أيضًا دور الإعلام العمومي في زمن تتسارع فيه التحولات وتشتد فيه المنافسة.

