...

إيقاف قنوات جزائرية بعد تغطية فضائحية لحادث مأساوي

إيقاف قنوات جزائرية بعد تغطية فضائحية لحادث مأساوي

في خطوة أثارت الكثير من الجدل في الشارع الجزائري، أقدمت السلطة المستقلة لضبط السمعي البصري على إيقاف أربع قنوات تلفزيونية خاصة عن البث المباشر لمدة ثمانٍ وأربعين ساعة كاملة، ويتعلق الأمر بقنوات البلاد والوطنية والحياة والشروق نيوز.

القرار جاء بعد تغطية وُصفت بالفضيحة لحادث سقوط حافلة ركاب في وادي الحراش بالعاصمة، والذي خلّف ثمانية عشر قتيلاً وثلاثة وعشرين جريحًا وفق الحصيلة الرسمية للحماية المدنية.

التفاصيل التي فجّرت الغضب الشعبي لم تكن الحادثة نفسها فقط، بل الطريقة التي تعاملت بها هذه القنوات. فقد ظهر المراسلون وهم يستجوبون الجرحى داخل قاعات الاستعجالات، وكأن المصابين مدعوون لمؤتمر صحفي في لحظة نزيفهم.

كما ركضت الكاميرات وراء أهالي الضحايا الذين كانوا في صدمة حقيقية، وصوّرت وجوههم ودموعهم دون أي احترام أو تحذير مسبق. مشاهد صادمة عُرضت على الشاشات ثم أعيد تدويرها على المنصات الرقمية، لتتحول المأساة إلى مادة لجلب المشاهدات والتفاعل، كأن دماء الناس مجرد محتوى ترند لا أكثر.

السلطة برّرت قرارها بأن هذه القنوات ارتكبت مخالفات مهنية جسيمة، وفضّلت أن تلهث وراء نسب المشاهدة بدلاً من الالتزام بأخلاقيات المهنة. ومنذ الساعة العاشرة والنصف من مساء السبت، جرى تعليق البث الفضائي والرقمي المباشر، مع منع نشر أي محتوى جديد وسحب المضامين المخالفة فورًا. القرار بدا للبعض رسالة قوية مفادها أن كرامة المواطنين لا يمكن أن تُعرض في مزاد علني، فيما اعتبره آخرون خطوة متأخرة لا تغير في الواقع شيئًا، فبعد يومين ستعود القنوات كما كانت وكأن شيئًا لم يحدث.

CNSS ramadan2026 728x90 2

المفارقة الكبرى أن هذه المؤسسات الإعلامية التي تبث الخطب الطوال عن القيم والإنسانية، هي نفسها التي هرولت إلى غرف الطوارئ لاقتناص مشاهد الدم والدموع.

Capture decran 2026 02 13 a 12.35.29 scaled

أما السلطة التي قررت معاقبتها، فهي بدورها كثيرًا ما استعملت الإعلام لتلميع صورتها السياسية وتبرير إخفاقاتها. النتيجة النهائية واحدة، وهي أن المواطن الجزائري هو الخاسر الوحيد، سواء بين إعلام يلهث وراء الفضائح أو سلطة تستعمل العقوبات لإرسال رسائل أكثر منها لحماية كرامة الناس.

ورغم أن القرار أحدث ضجة في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من اعتبره ضرورياً ومن رآه مجرد مسرحية أخرى، فإن الحقيقة المريرة تظل واحدة:

الإعلام في الجزائر يفتقد إلى الضوابط الواضحة والالتزام بأبسط مبادئ المهنة. وبينما تتكرر الكوارث والحوادث، تتكرر معها نفس المشاهد: دماء تتحول إلى لقطات، وصرخات تتحول إلى عناوين مثيرة، وخصوصية تُنتهك بلا أي وازع.

في النهاية، يبدو أن الإعلام الجزائري بات يشبه تلك الحافلة المنكوبة نفسها. مكتظ بالعبث، متعب بلا فرامل، يسير نحو المجهول بسرعة متهورة. والمواطن، كالعادة، مجرد راكب لا حول له ولا قوة، يتفرج على مسرحية تتكرر في كل حادث مأساوي، ولا يجد سوى السخرية السوداء وسيلة لفهم واقع لا يزداد إلا مرارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى