إقصاء الصحافة في نوستالجيا فاس يحرج وزارة بنسعيد
في الوقت الذي ترفع فيه الوزارة شعارات الانفتاح والتشاركية، اختارت بعض مكاتبها أن تكتب رواية مختلفة… رواية تبدأ من الباب، حيث يُمنع الصحفي من الدخول، وتنتهي داخل القاعة، حيث يُحتفى فقط بمن يُصفّق.
ما حدث في مهرجان “نوستالجيا” بمدينة فاس لم يكن مجرد سوء تنظيم عابر، بل كان تمرينًا عمليًا على إقصاء الإعلام الخاص، وكأن الحدث لا يكتمل إلا بغياب من يفترض أن ينقله للرأي العام. صحفيون حضروا لتغطية نشاط رسمي، بوجود شخصيات وازنة من بينها الوالي ووزير، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام “فلترة” غريبة… من يُسمح له بالتصوير، ومن يُطلب منه المغادرة.
المفارقة أن هذا السلوك لا يصدر عن جهة مجهولة، بل عن فضاء يُفترض أنه يمثل وزارة يقودها محمد المهدي بنسعيد، وزير يتحدث باستمرار عن دعم الثقافة وتعزيز حضور الإعلام. لكن بين الخطاب والممارسة، تظهر فجوة لا تحتاج إلى تقرير لتُفهم… يكفي أن تسأل صحفيًا تم منعه من أداء عمله.
الإهانة لم تكن في المنع فقط، بل في الطريقة. أسلوب غير مهني، تعامل فوقي، ورسائل ضمنية تقول إن بعض الإعلام “غير مرغوب فيه”. هنا لا يتعلق الأمر بخلاف تنظيمي، بل بصورة تُرسم عن علاقة الإدارة بالإعلام: علاقة انتقائية، تُكافئ القريب وتُقصي من يطرح الأسئلة.
والحال أن الإعلام الخاص ليس تفصيلًا هامشيًا. هو جزء من المشهد الوطني، من الاقتصاد الثقافي، ومن صورة المغرب في الداخل والخارج. حين يُقصى، لا يتضرر فقط الصحفي، بل يتضرر حق الجمهور في الوصول إلى المعلومة. لأن الإعلام لا يُطلب منه أن يكون شاهد زور، بل أن يكون عينًا تنقل… حتى ما لا يُعجب.
الوزارة تتحدث عن اللامركزية الثقافية والعدالة المجالية، لكن ما وقع في فاس يقدّم نموذجًا معاكسًا: مركزية في القرار، وانتقائية في التعامل، وممارسة تُفرغ الشعارات من معناها. كيف يمكن الحديث عن إشعاع ثقافي، بينما يتم التحكم في من يُسمح له بتغطية هذا الإشعاع؟
ما حدث ليس حادثًا معزولًا، بل إنذار. إنذار يقول إن بعض دواليب الوزارة تحتاج إلى مراجعة عميقة، لا في النصوص، بل في العقليات. لأن المشكلة لا تكمن في غياب القوانين، بل في غياب احترامها على الأرض.
اليوم، الكرة في ملعب الوزير. ليس لتقديم بلاغ جديد، بل لإعادة ترتيب العلاقة مع الإعلام، ووضع حد لممارسات تسيء إلى مؤسسة يفترض أنها تدافع عن حرية التعبير، لا أن تضيق عليها.
في النهاية، الثقافة لا تُبنى بالإقصاء، والإشعاع لا يتحقق بالانتقاء. والإعلام، حين يُمنع من الدخول، لا يختفي… بل يكتب من الخارج، وربما بصوت أعلى.

