إعلام الظلام الوهمي: حين تخرج بعض القنوات التونسية عن النص

إعلام الظلام الوهمي: حين تخرج بعض القنوات التونسية عن النص

ما صدر عن قناتين تونسيّتين مساء أمس الثلاثاء لم يكن مجرد زلّة مهنية عابرة، بل عرضًا كاملاً للتضليل، أُنجز بعناية مسرحية: زاوية مظلمة، نبرة استياء، وحكاية جاهزة عن “انقطاع الكهرباء” في الملعب الأولمبي. كرة القدم كانت هناك، نعم. الحقيقة؟ اختارت الجلوس في المدرج.

في خضم كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب، انتشرت أخبار زائفة وصور وفيديوهات مفبركة، بعضها بدافع التفاعل السريع على منصات التواصل، وبعضها—وهنا بيت القصيد—بدافع السياسة حين ترتدي قميص الرياضة. وبينما كان المنتخب التونسي يحقق فوزه الأول داخل المستطيل الأخضر، قررت بعض التغطيات أن تخسر خارج الملعب، بتقارير كتبت على عجل، وادعاءات قُدمت بثقة لا تليق إلا بالتمثيل الرديء.

الذروة جاءت مع مراسل قناة “الحوار التونسي” الذي أعلن، من قلب “الظلام”، انقطاع التيار الكهربائي وصِغر سعة الملعب ومعاناة الصحافيين والجمهور. تقرير واحد جمع كل شيء: تذمّر، اتهامات، وتلميحات عن عمل الصحافيين “بطريقتهم الشخصية”. غير أن الفيديو التالي—من المكان نفسه—فضح المشهد: أضواء مشتعلة، أجهزة تعمل، ولا أثر للظلام سوى زاوية اختيرت بعناية. إخراج بسيط… ونيّة أبسط.

الحرج كان كبيرًا، فكان الحل أسهل: حذف الفيديو من صفحة القناة على فيسبوك، بلا توضيح ولا اعتذار. سياسة “امسح وواصل”، التي لا تُنقذ المصداقية بقدر ما تُعمّق فقدانها. ولم تقف القصة عند هذا الحد؛ إذ تداول مراسل القناة الوطنية التونسية معطيات جغرافية غير دقيقة عن بُعد الملعب الأولمبي عن مركز الرباط—أرقام لا تصمد أمام خرائط غوغل، لكنها تمر في نشرات لا تُراجع.

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا كل هذا؟ الجواب لا يحتاج عدسة مكبرة. سياق سياسي متوتر، وخطاب رسمي متشنّج، ومحاولة لتصدير الأزمة عبر مباراة كرة قدم. حين تُستعمل الصحافة كرافعة ضغط، تتحول من سلطة رابعة إلى منشور فايسبوكي بلا توقيع. ولا يمكن فصل هذا السلوك عن مناخ إقليمي تشوبه الحسابات الضيقة، خصوصًا في ظل رئاسة قيس سعيد، حيث تتشابك السياسة بالإعلام، ويُطلب من المراسل أن “يؤدي الدور”.

المفارقة الساخرة أن البطولة استمرت بسلاسة، والتنظيم مضى في مساره، بينما انشغل بعض المراسلين بإطفاء أنوار وهمية بدل نقل الأهداف الحقيقية. الجمهور اليوم يرى ويوثّق ويكذّب. زمن الاحتكار انتهى، و“VAR” الحقيقة حاضر دائمًا.

في النهاية، لا أحد يمنع الاختلاف السياسي. لكن حين تُكذَب المعلومة، ويُستبدَل النقل بالتمثيل، فالخاسر ليس البلد المضيف، بل المهنة نفسها. في هذه الكان، فاز من لعب الكرة… وخسر من لعب بالكاميرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى