إصلاح التعليم… أرقام كبيرة ونتائج مؤجلة إلى أجل غير مسمى

إصلاح التعليم… أرقام كبيرة ونتائج مؤجلة إلى أجل غير مسمى

في جلسة برلمانية عادية في شكلها، ثقيلة في مضمونها، كشفت الحكومة عن تصورها لإصلاح التعليم، تصور يقوم على فكرة واحدة تكاد تختزل كل شيء: النتائج لن تظهر الآن.

عبارة مريحة سياسيًا، لأنها تنقل عبء الفشل إلى المستقبل، وتمنح الحاضر حصانة زمنية باسم التعقيد والاستعصاء.

الوزير، وهو يعرض أمام مجلس المستشارين، بدا وكأنه يهيئ الرأي العام لتقبل الانتظار الطويل. فالهدر المدرسي، حسب الخطاب الرسمي، معضلة معقدة، متجذرة، لا تُحل بسرعة. كلام صحيح من حيث المبدأ، لكنه يتحول إلى ذريعة حين يُستعمل لتبرير غياب الأثر، لا لتفسيره.

الحكومة تتحدث بلغة الأرقام بثقة لافتة. أكثر من 9000 مؤسسة تعليمية خضعت للتأهيل بين 2022 و2026، ميزانيات ضخمة، أوراش مفتوحة، إصلاحات في الجدران والبنايات. غير أن السؤال الذي يتفادى الخطاب الرسمي طرحه هو: ماذا تغيّر داخل الفصل؟ هل تحسن التعلم؟ هل تقلص الاكتظاظ؟ هل صار التلميذ يفهم أكثر؟ الأرقام، حين تُفصل عن أثرها، تتحول إلى ديكور سياسي فاخر.

في التعليم القروي، يعترف الوزير بالصعوبات الديمغرافية والجغرافية. القرى متفرقة، الأعداد قليلة، الكلفة مرتفعة. اعتراف صريح، لكنه يظل في مستوى التشخيص، لا الحل. لأن توصيف المشكلة، مهما كان دقيقًا، لا يغني عن تقديم بدائل عملية، مبتكرة، تخرج التعليم القروي من منطق الاستثناء الدائم.

أما نسب النجاح الجهوية، فقد قُدمت باعتبارها مؤشرًا على التحسن. لكن ما لم يُقَل، هو أن هذه النسب تخفي وراءها فوارق صارخة في جودة التعليم بين الجهات، بين المدن والقرى، وبين مدارس “الواجهة” ومدارس “الهامش”. حين تُستعمل النسب لتخفيف الضغط بدل تشخيص الخلل، تصبح أداة سياسية أكثر منها تربوية.

الرهان الجديد اسمه “مدارس الريادة”. مشروع يُراد له أن يكتمل بعد خمس سنوات إضافية. خمس سنوات أخرى من الانتظار، من تعليق التقييم، من ربط الإصلاح بالزمن لا بالأثر. وكأن المدرسة المغربية مطالبة دائمًا بالصبر، فيما السياسات العمومية معفاة من المحاسبة.

المفارقة أن الخطاب الحكومي لا يفتقر إلى النوايا، لكنه يفتقر إلى الجرأة. جرأة القول إن بعض الخيارات لم تنجح، جرأة التقييم الحقيقي، وجرأة تحمل كلفة الحقيقة. فالإصلاح، حين يُدار بمنطق تأجيل النتائج، يتحول إلى وعد سياسي مؤجل، لا إلى مشروع مجتمعي ملموس.

إصلاح التعليم لا يحتاج فقط إلى وقت، بل إلى رؤية واضحة، ومؤشرات صادقة، واستعداد للاعتراف بأن الزمن، وحده، لا يُصلح مدرسة. الزمن قد يمر، أما التلميذ، فيمر معه… ثم يخرج من النظام، بلا رجعة.

Exit mobile version