...

إدريس لشكر.. حين يخاطب التاريخ بوجهٍ فقد ملامحه

إدريس لشكر.. حين يخاطب التاريخ بوجهٍ فقد ملامحه

في مؤتمرٍ إقليمي بمدينة فاس، صعد إدريس لشكر إلى المنصة وكأنه يحدّث التاريخ لا الحاضرين. تحدث بنبرةٍ حزينة عن أزمة الثقة، وهيمنة الأغلبية، وغضب الشباب غير المؤطر، لكنه نسي، أو تناسى، أنه من أولئك الذين شاركوا في صناعة هذه الأزمة نفسها. بدا الرجل كمن يصف حريقًا أشعل ناره بيده، ثم يقف متأمّلًا الرماد بأسىٍ مفتعل.

لطالما كان الاتحاد الاشتراكي ضمير السياسة المغربية، ومنه خرجت شرارات الفكر والنضال والإصلاح. من عبد الرحيم بوعبيد إلى عبد الرحمن اليوسفي، كان الحزب مدرسة في الوطنية والعقلانية، يرفع شعار الوطن أولًا، والكرامة دائمًا.

لكن ذلك المجد أصبح اليوم مجرد صورةٍ قديمةٍ تُعلّق في المقرات الحزبية، تذكّر الناس بزمنٍ كانت فيه السياسة تُمارس لا تُسوّق.

في عهد إدريس لشكر، تحوّل الحزب من قوة فكرية تصنع التاريخ إلى جهاز إداري يسعى للبقاء في المشهد بأي ثمن. كل خطابٍ جديد للرجل يبدو كأنه نعيٌ مبطّن لتجربةٍ كان هو أحد من أجهز عليها. فحين يقول إن “الاحتجاجات جرس إنذار”، ينسى أن تلك الأجراس قرعت منذ سنوات، حين اختار هو وحزبه الصمت المريح بدل المعارضة المكلفة.

إنه مشهدٌ سياسي مألوف في المغرب اليوم: قادة يتحدثون عن الشباب وكأنهم يتحدثون عن كائناتٍ فضائية، في حين أنّ الشوارع تغلي تحت أقدامهم. الشباب الذين خرجوا إلى الميادين ليسوا غاضبين عبثًا، بل يبحثون عن معنى السياسة الذي ضاع بين المكاتب الفاخرة والبيانات المعلّبة. جيل “اللاانتماء” لا يريد خطبًا جديدة، بل يريد صدقًا بسيطًا.

CNSS ramadan2026 728x90 2

ولأنّ لشكر يعرف اللغة جيدًا، فهو يصف العطب بدقة، لكنه لا يملك شجاعة الاعتراف بالمصدر. يتحدث عن البطالة، وعن خيبة الأمل، وكأنه باحث اجتماعي لا زعيم سياسي شارك في رسم هذا الواقع. الإصلاح عنده كلمة تُقال لا مسار يُخاض.

Capture decran 2026 02 13 a 12.35.29 scaled

والاعتراف بالخطأ؟ ترفٌ لا مكان له في قاموس الزعماء الذين يخافون النهاية.

لقد فقد الاتحاد الاشتراكي، في عهد لشكر، دوره الطبيعي كجسر بين الدولة والمجتمع، بين السياسة والشارع. خسر الحزب عمقه الشعبي يوم صار الانتماء إليه صفقةً لا قناعة، وتحالفاته السياسية كانت كافية لطمس آخر ما تبقّى من ملامح معارضته التاريخية.

اليوم، حين يتحدث لشكر عن “إنقاذ السياسة”، يبدو كمن يحاول بثّ الحياة في جثةٍ دفنها بيديه. المعارضة ماتت منذ أن قررت الأحزاب المهادنة بدل المواجهة، والتبرير بدل المساءلة، ومنذ أن صار الشارع أكثر جرأةً من مقاعد البرلمان.

الحقيقة البسيطة، والتي يرفض الكثيرون قولها بصوتٍ مرتفع، هي أن الاحتجاجات الحالية ليست أزمةً للشباب، بل فضيحة للنخبة السياسية. الشباب لم يغادر السياسة، بل غادرتهم هي.

وفي النهاية، يقف إدريس لشكر أمام التاريخ، لا كزعيمٍ يسلم الراية، بل كشاهدٍ على أفول فكرةٍ كانت كبيرةً بما يكفي لتغيّر وجه المغرب.
التاريخ لا يرحم من صمت حين كان يجب أن يتكلم، ولا من تكلّم بعد أن أصبح الكلام بلا معنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى