أرقام تصعد وأقسام تختنق: الوجه الخفي للتعليم الأولي
رغم التقدم المسجل في تعميم التعليم الأولي بالمغرب، تكشف معطيات تقرير رسمي أن هذا الورش، الذي يُقدَّم باعتباره أحد أعمدة إصلاح المنظومة التعليمية، ما زال يشتغل فوق أرضية هشة، تُخفي وراء الأرقام المطمئنة اختلالات بنيوية تمسّ جوهر الجودة والإنصاف.
التقرير يُبرز تحسّنًا واضحًا في نسب ولوج الأطفال إلى التعليم الأولي، مع توقع بلوغها أزيد من 75 في المائة في أفق 2025، مقابل حوالي 50 في المائة قبل سنوات قليلة. رقم يُسوَّق كنجاح لسياسة التوسّع، لكنه، في العمق، لا يقول الكثير عن شروط هذا الولوج ولا عن مضمونه التربوي الفعلي.
أبرز “الثغرات” التي توقف عندها التقرير تتعلق بهشاشة الوضعية المهنية للمربيات. أجور منخفضة، غياب الاستقرار الوظيفي، وضغط يومي داخل أقسام مكتظة، تجعل من تحسين جودة التعلمات مهمة شبه مستحيلة. مربيات يُطلب منهن أداء أدوار تربوية دقيقة في مرحلة عمرية حساسة، دون الحد الأدنى من التحفيز المادي أو الاعتراف المهني.
الاكتظاظ بدوره يفرض نفسه كمعطى مقلق، حيث تستقبل بعض الأقسام أعدادًا تفوق طاقتها الاستيعابية، ما ينعكس سلبًا على التتبع الفردي للأطفال وعلى جودة الأنشطة التربوية. تعليم أولي يُفترض أن يقوم على القرب والمواكبة، يتحوّل في بعض الحالات إلى مجرد “حراسة موسعة” داخل فضاءات محدودة الإمكانيات.
التقرير لا يغفل أيضًا التفاوتات الصارخة في البنية التحتية، إذ ما تزال نسبة مهمة من وحدات التعليم الأولي تفتقر إلى شروط أساسية، مثل الماء الصالح للشرب أو المرافق الصحية المطابقة للمعايير. واقع يطرح أسئلة محرجة حول معنى “التعميم” حين يتم على حساب شروط الكرامة والسلامة.
ورغم تسجيل تفوق نسبي للتعليم الأولي الخصوصي من حيث مكتسبات الأطفال، مقارنة بالعمومي، فإن ذلك يعمّق الفجوة الاجتماعية منذ السنوات الأولى للتعلّم، ويكرّس منطق “تعليم بسرعتين”، حيث تحدد القدرة المادية للأسرة جودة البداية التعليمية للطفل.
التوصيات التي خلص إليها التقرير تبدو واضحة: لا يكفي رفع نسب التمدرس، بل يجب الانتقال من منطق الكم إلى منطق الكيف، عبر تحسين ظروف عمل المربيات، تقليص الاكتظاظ، تأهيل البنية التحتية، وتطوير المناهج البيداغوجية، مع إيلاء عناية خاصة للأطفال في وضعية إعاقة.
غير أن السؤال الذي يبقى معلقًا هو نفسه الذي رافق أغلب تقارير الإصلاح: هل ستتحول هذه الخلاصات إلى قرارات عملية، أم ستنضم إلى أرشيف التشخيصات الدقيقة المؤجلة التنفيذ؟ في انتظار الجواب، يظل التعليم الأولي يتقدم… بخطوتين إلى الأمام، وأخرى إلى الخلف.
