نزار بركة بين خطاب الاستباق وواقع الانهيار
في السياسة، ليس كل طريقٍ معبّد يصل إلى نتيجة، وبعضها ينتهي دائمًا عند نفس الحفرة. نزار بركة يعرف ذلك جيدًا، لذلك اختار في البرلمان لغةً ملساء، تُسوّي الكلمات أكثر مما تُسوّي الإسفلت، وتُحيل العطب إلى “مسؤولية مشتركة” كلما ضاق هامش المحاسبة.
الوزير يقول إن وزارته الوحيدة التي تملك برنامجًا لصيانة الطرق القروية. جميل. لكن الطرق القروية، لسببٍ غامض، لم تتلقَّ البلاغ. ما إن تنزل الأمطار حتى تتحول “الصيانة” إلى ذكرى، ويصير المرور مغامرة، ويُستدعى البرنامج كوثيقة دفاع لا كأثرٍ ملموس. الورق صامد. الواقع أقل حظًا.
وعندما يشتد السؤال، تُستخرج الورقة الرابحة: التغيرات المناخية. الطبيعة مفاجِئة. التوقع العلمي محدود. وكأن المناخ لم يكن جزءًا من المعادلة عند التخطيط، أو كأن الخرائط لا تعرف أين تمر السيول. هكذا تتحول السماء إلى متهمٍ مثالي، بينما تخرج الهندسة ببراءة مؤقتة.
ثم هناك “فرق التدخل السريع”. اسم سريع. تدخل بطيء. تُفعَّل بعد وقوع الضرر، لا قبله. تصل لتعاين ما عرفه السكان منذ أول قطرة. تعاون مع الجماعات المحلية؟ نعم. لكن التعاون، حين يغيب القرار والتمويل والمحاسبة، يصبح صورة جماعية بلا أثر.
الوزير يعترف بوجود اختلالات. اعتراف محسوب، بجرعةٍ لا تُزعج أحدًا. اختلالات هنا وهناك. أضرار جسيمة… بلا أسماء، بلا تواريخ، بلا مسؤوليات. اعتراف يصلح للاستهلاك الخطابي، لا للإصلاح.
ولأن التفاؤل واجب، تتحول التساقطات فجأة إلى “أثر إيجابي على الموارد المائية”. صحيح. لكن الماء الذي يُنقذ السدود يُغرق الطرق. الرؤية المندمجة جميلة في العناوين، صعبة في القرى المعزولة. التنمية الشاملة تمر من طريقٍ واحدة أولًا: طريق لا ينهار.
وفي الختام، دعوةٌ للتعاون بين القطاعات. الجميع معني. الجميع شريك. ومع كثرة الشركاء، يختفي صاحب القرار. تُحدَّد الأولويات بمؤشرات موضوعية، يقول الوزير. المؤشر الأكثر موضوعية لدى المواطن بسيط: هل يصل؟ أم يعود؟
هكذا، يواصل الخطاب سيره بثبات، فيما تتعثر العجلات. إدارة اللغة متقنة. إدارة الطريق أقل إقناعًا. وبينهما، مواطن لا يطلب معجزة، فقط إسفلتًا يصمد أكثر من خطاب.

