...

مليار سنتيم في جيتكس… وكالة رقمية تواجه أسئلة المال العام

مليار سنتيم في جيتكس… وكالة رقمية تواجه أسئلة المال العام

في بلد يُطلب فيه من المواطن شدّ الحزام باسم الظرفية، قررت وكالة التنمية الرقمية أن تُرخيه قليلاً… في معرض «جيتكس» بمراكش. ثلاثة أيام فقط كانت كافية لصرف ما يقارب مليار سنتيم، في مشهد رقمي بامتياز: أموال حقيقية، وشفافية افتراضية.

الأرقام، التي فجّرت الجدل، لا تحتاج إلى كثير شرح. مليارات صُرفت على كراء المكيفات، وأخرى على خدمات وتجهيزات، ومليار هنا للخبرة الرقمية، ومليار ونصف هناك للشاشات واللافتات، ناهيك عن الإشهار. يبدو أن الرقمنة، في نسختها الرسمية، تحتاج أولاً إلى هواء بارد وشاشات عملاقة قبل أن تصل إلى المواطن.

هذا السخاء المالي فتح نقاشاً واسعاً حول معايير تحديد الكلفة، وجدوى هذا الإنفاق في سياق تعاني فيه المالية العمومية من ضغط متزايد. فهل كانت وكالة التنمية الرقمية بحاجة إلى كل هذا البذخ لتقول إنها تؤمن بالتحول الرقمي؟ أم أن الرقمنة تحوّلت إلى شعار أنيق يُبرر به كل شيء، حتى الفواتير الصادمة؟

المفارقة أن المؤسسة التي يُفترض أن تكون نموذجاً في الحكامة والنجاعة وترشيد الموارد، وجدت نفسها في قلب اتهامات بتبذير المال العام. فبدل أن تكون الرقمنة أداة لتقليص الكلفة، أصبحت غطاءً لرفعها، وبدل أن تكون الشفافية مبدأً، تحوّلت إلى سؤال مؤجل.

وتتوسع علامات الاستفهام لتشمل مساطر إبرام الصفقات: هل مرت عبر طلبات عروض مفتوحة؟ من هي الشركات المستفيدة؟ وعلى أي أساس تم تحديد هذه الأرقام؟ أسئلة بسيطة في دولة تقول إنها اختارت ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكنها تظل بلا أجوبة رسمية.

النقاش لم يتوقف عند الأرقام فقط، بل امتد إلى معايير تعيين المسؤولين في المؤسسات العمومية، خصوصاً تلك المرتبطة بورش استراتيجي مثل الرقمنة. فحين يغيب التوضيح، يصبح الشك مشروعاً، وحين تغيب البيانات الرسمية، تتحول الحكامة إلى مجرد شعار في عرض تقديمي.

في النهاية، الجدل حول «جيتكس» ليس نقاشاً حول وكالة بعينها، بل مرآة لنقاش أوسع حول حدود الشفافية في تدبير المال العام، وحول الفجوة بين خطاب أنيق عن الرقمنة، وممارسة واقعية لا تزال تؤمن أكثر بالمكيفات والشاشات من بالمساءلة والوضوح.

أما السؤال الذي يطفو في صمت: هل سنحصل على توضيحات رسمية، أم أن الملف سينضم إلى أرشيف «الرقمنة التي لا تترك أثراً رقمياً»؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى