مبارك بدري يحذر: التنمية بلا مجتمع مدني فاعل مصيرها “الفشل”
خلال مداخلته، اليوم الجمعة، في اللقاء المفتوح المنعقد تحت شعار “من المبادرة إلى التأثير: المجتمع المدني ورهانات التنمية“، الذي نظمته اللجنة التشاورية لجمعيات المجتمع المدني بمقاطعة احصين، لم يكتف مبارك بدري، رئيس جمعية ممكن والفاعل السياسي، بتقديم قراءة وصفية لواقع العمل الجمعوي، بل اختار أن يضع الجميع أمام سؤال جوهري اعتبره غير مريح لكنه ضروري: هل نحن اليوم أمام مجتمع مدني فاعل أم مجرد مجتمع مدني نشيط؟
سؤال لا يختزل فقط الفرق بين الحركية والتأثير، بل يضع جوهر العمل المدني برمته تحت المجهر، ويميز بين من يملأ الزمن بالأنشطة ومن يغير المسار التنموي فعليا.
واعتبر بدري أن المشهد الجمعوي يعيش مفارقة واضحة؛ فعدد الجمعيات يتزايد بوتيرة مستمرة، والمبادرات تتكاثر بسرعة، غير أن التحدي الحقيقي اليوم لا يقتصر على الكم، بل على النوعية والأثر. وأوضح أن المطلوب هو أن يسهم العمل الجمعوي في ترسيخ الإحساس بالتنمية والعدالة الاجتماعية والأثر الملموس في حياة المواطنين، وأن يُبرز المبادرات القوية التي تقوم بها الدولة لصالح المواطنين، بحيث يكون الهدف الأسمى هو زرع الاطمئنان العام وتعزيز الثقة في المؤسسات والمجتمع المدني على حد سواء.
وأوضح أن مبادرات الجسم الجمعوي، رغم كونها فعلا إيجابيا في حد ذاتها، تفقد قيمتها حين تنفصل عن التشخيص الدقيق للحاجيات، وعن رؤية واضحة للأهداف، وعن آليات تقييم تقيس الأثر الحقيقي بدل الاكتفاء بعدّ الأنشطة. ولفت إلى أن العديد من المبادرات تبدأ بحماس كبير، لكنها تُنفذ بمنطق النشاط الظرفي، وتنتهي دون أي أثر ملموس، ما يجعلنا أمام تراكم في الأنشطة بدل تراكم في التغيير البنيوي.
وفي هذا السياق، انتقد بدري بشدة اختزال العمل الجمعوي في منطق ملفات التمويل، والأنشطة المناسباتية للأجندات الظرفية، والصور المعدة للنشر، معتبرا أن هذا النمط من الاشتغال، رغم حسن النيات أحيانا، يفرغ الفعل الجمعوي من مضمونه الحقيقي. وطرح تساؤلا صريحا لا يقبل المواربة: هل نشتغل من أجل المجتمع أم من أجل بقاء الجمعيات؟ وهل أصبح الهاجس هو الاستمرارية الشكلية بدل الأثر المجتمعي العميق؟
وشدد المتدخل على أن التأثير ليس شعارا ولا عبارة تقنية أنيقة تُدرج في التقارير السنوية، بل هو قدرة فعلية على تغيير السلوكيات، أو إعادة ترتيب العلاقات داخل المجتمع، أو التأثير في القرار العمومي. وأكد أن أي نشاط لا يُحدث تحولا في وعي المواطنين، ولا يُعيد التوازن إلى ميزان القوة بين الفاعلين، لا يمكن اعتباره فعلا اجتماعيا مكتملا. وقال بوضوح إن ليس كل نشاط تأثيرا، وليس كل حضور إنجازا، بل إن بعض الأنشطة، حين لا تزعج أحدا ولا تطرح أسئلة حقيقية، غالبا لا تغير شيئا في الواقع.
وفي رده على مجموعة من التساؤلات التي أثارها الحضور، دعا مبارك بدري جمعيات المجتمع المدني بمقاطعة احصين إلى التفكير الجاد في تأسيس اتحاد جمعيات، باعتباره خيارا تنظيميا واستراتيجيا من شأنه توحيد الجهود، وتعزيز المردودية الجماعية، وتقوية الترافع أمام المؤسسات، وتجاوز منطق التشتت والعمل الفردي. واعتبر أن العمل الجمعوي المعزول، مهما كانت نواياه حسنة، يظل محدود الأثر، بينما يفتح العمل الشبكي والتحالفي آفاقا أوسع للضغط الإيجابي وصناعة التغيير.
وفي هذا الإطار، لم يُخفِ بدري إشادته بعمل اللجنة التشاورية لجمعيات المجتمع المدني بمقاطعة احصين، وباللقاء التشاوري الذي تنظمه بشكل دوري كل شهر، معتبرا أن هذه التجربة نجحت، إلى حد كبير، في خلق فضاء للنقاش الواقعي الرزين حول قضايا التنمية المحلية والترافع بشأنها، بعيدا عن لغة الخشب والتضليل، وقائما على تبادل الأفكار والحجج، وعلى مساءلة هادئة لكنها عميقة للواقع والمؤسسات.
وفي جانب آخر من مداخلته، توقف بدري عند الإشكال المتعلق بتداخل الصلاحيات وتحميل المسؤوليات، منتقدا ما وصفه بمحاولات بعض الجهات تحميل رئيس مجلس مقاطعة احصين اختصاصات لا تدخل أصلا ضمن صلاحيات مجلس المقاطعة، بل تندرج قانونيا ضمن صلاحيات مجلس الجماعة. واعتبر أن جزءا من النقاش العمومي المحلي ينحرف أحيانا نحو التهجم السياسي، ومحاولة تحميل شخص واحد كامل فشل التنمية بالمنطقة، في تجاهل لطبيعة الصلاحيات المحدودة لمجالس المقاطعات، وللتعقيد القانوني والمؤسساتي الذي يحكم تدبير الشأن المحلي.
كما انتقد غياب التواصل المؤسساتي الواضح والمنتظم، القادر على شرح الأمور للرأي العام، والدفاع عن حصيلة مجلس المقاطعة، وتوضيح توزيع الاختصاصات والمسؤوليات بين مجلس الجماعة ومجالس المقاطعات، محذرا من أن هذا الفراغ التواصلي يفتح الباب أمام الخلط والتأويل وتغذية الشعبوية، ويُضعف ثقة المواطن في العمل المؤسساتي وفي جدوى المشاركة العمومية.
وأكد بدري أن التنمية المحلية لا تختزل في الطرق والبنايات والبنيات التحتية فقط، بل تقوم أساسا على توسيع قدرات الإنسان وخياراته، وعلى تمكين المواطن من الإحساس بأن له صوتا مسموعا، ومكانا حقيقيا في اتخاذ القرار، وحقا فعليا في المحاسبة. واعتبر أن هذا الأفق لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود مجتمع مدني واعٍ بقيمته، مدرك للدور الحقيقي المنوط به، وقادر على لعب دور الوساطة بين المؤسسات والمجتمع، لا بمنطق الصدام العقيم ولا بمنطق التبعية الصامتة، بل بمنطق التأطير والترافع والضغط العقلاني.
وحذر في هذا السياق من أن إقصاء المجتمع المدني الحقيقي يؤدي حتما إلى قرارات فوقية، ومشاريع بلا روح، ومواطن فاقد للثقة، مشيرا إلى أن الفراغ الذي يتركه المجتمع المدني في تأطير المجتمع وتنمية الوعي الجماعي ساهم في بروز أنماط جديدة من السلوك والاحتجاج، من بينها ما عرف بـ “جيل زد”، وهو معطى يستدعي الانتباه الجاد في المرحلة المقبلة، ليس من باب التخويف، بل من باب الفهم والاستباق، حتى لا تتكرر في المستقبل نفس المشاهد التي نرفضها اليوم ونشتكي من كلفتها الاجتماعية والسياسية.
وفي ختام مداخلته، شدد مبارك بدري على أن المجتمع المدني ليس ديكورا ديمقراطيا يُستعمل عند الحاجة، بل هو ركن أساسي من أركان البناء الديمقراطي والتنمية المستدامة. فإما أن يكون قوة اقتراح، وقوة ضغط، وقوة تغيير حقيقية، أو يتحول، بصمت، إلى شاهد على تعثر التنمية المحلية وضياع الفرص. وترك الحضور أمام سؤال مفتوح يختزل جوهر الرهان المطروح على الجميع: بعد خمس سنوات من اليوم، ماذا سيتغير في هذا المجال الترابي لأننا هنا؟
