مؤتمر الاتحاد الاشتراكي… حين تتحول الديمقراطية الداخلية إلى مشهد متكرر
ما حدث مؤخرًا في مؤتمر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا يمكن وصفه إلا بأنه انتكاسة سياسية جديدة، ومشهد يعيد إلى الأذهان صورة الأحزاب التي فقدت البوصلة، وأصبحت حبيسة منطق الزعامة الأبدية بدل التداول الديمقراطي الحقيقي. المؤتمر الذي كان من المفترض أن يشكل محطة لتجديد الدماء وبعث الأمل داخل الحزب، تحوّل إلى عرضٍ مملٍّ لزعامةٍ لا تريد أن تغادر المسرح، وكأن الحزب لا يلد إلا نفس الوجوه منذ عقود.
من يتابع هذا المشهد يدرك أن ما يجري ليس مجرد خلاف داخلي، بل أزمة بنيوية في فهم العمل الحزبي والديمقراطي. فكيف يمكن لحزبٍ يحمل إرثًا تاريخيًا كبيرًا في النضال والسياسة أن يُعيد إنتاج نفس الزعامة لعقدٍ تلو الآخر؟ أين الكفاءات الجديدة؟ أين الطاقات الشابة التي يمكن أن تمنح هذا التنظيم روحًا جديدة؟
وكأن الحزب يقول لمؤتمريه وأعضائه: “لا بديل عن الزعيم”.
الأمر لم يعد يتعلق بالأسماء فقط، بل بثقافة سياسية جامدة لا تقبل التغيير ولا التجديد. منطق “الزعيم الأبدي” لم يعد مقبولًا في زمن تتغير فيه المجتمعات بسرعة وتبحث فيه الأحزاب عن شرعية جديدة قائمة على الكفاءة والمصداقية، لا على الولاء والانتماء الشخصي.
لقد كان على الاتحاد الاشتراكي، الذي لطالما مثّل رمزًا للفكر الحداثي والديمقراطي، أن يقدم نموذجًا مغايرًا، نموذجًا يثبت أن الممارسة الحزبية يمكن أن تتجدد وتفتح الباب أمام قيادات شابة تملك الرؤية والكاريزما. لكن ما حدث في المؤتمر الأخير يثبت أن الحزب يعيش على أنقاض ماضيه المشرق، دون أن يملك الجرأة الكافية لمواجهة حاضره الرمادي.
اللافت أن هذا الجمود لم يعد يمرّ دون ردّ فعل شعبي. فالمواطن المغربي أصبح أكثر وعيًا من أي وقت مضى، ولم يعد يصدق الشعارات الكبيرة ولا الخطب القديمة. الناخب اليوم يرى الأحزاب من خلال قدرتها على التغيير والتجديد، لا من خلال قدرتها على تكرار نفس الأسماء ونفس الخطابات التي لم تعد تقنع أحدًا.
في ظل هذا الواقع، يبدو أن الاتحاد الاشتراكي يسير بخطى ثابتة نحو هامش المشهد السياسي، وأنه يخسر تدريجيًا ما تبقى له من قاعدة جماهيرية، لأن الحزب الذي لا يتجدد يموت ببطء، مهما كان تاريخه ناصعًا.
إنّ ما جرى في المؤتمر ليس مجرد حدث عابر، بل رسالة سياسية سلبية لكل من كان يأمل أن تعود الأحزاب إلى لعب دورها الحقيقي في تأطير المجتمع والدفاع عن قضاياه. فحين تتحول الديمقراطية الداخلية إلى طقس شكلي لتجديد الولاء بدل تجديد القيادة، يصبح الحزب أقرب إلى “نادي مغلق” منه إلى تنظيم سياسي حيّ.
النتيجة الطبيعية لذلك واضحة: خيبة أمل جديدة لدى الرأي العام، وابتعاد المواطنين أكثر عن السياسة، وإفراغ المشهد من أي دينامية حقيقية. فحين يُصرّ بعض الزعماء على البقاء في الواجهة رغم كل علامات التآكل، فإنهم لا يدافعون عن الحزب، بل عن أنفسهم فقط.
ما حدث داخل الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد أزمة داخلية، بل صورة مصغرة لأزمة السياسة في المغرب: خطاب متعب، وجوه متعبة، وأحزاب تخاف من التغيير أكثر مما تخاف من الانقراض. ومن لا يملك الشجاعة ليغادر في الوقت المناسب، سيغادره الناس في صمتٍ كامل عند أول صندوق اقتراع.

