Site icon الاخبار24

رسائل العاهل المغربي للجار الشرقي تُحيي الأمل في التقارب

رسائل العاهل المغربي للجار الشرقي تُحيي الأمل في التقارب

عادل الزبيري

رسائل العاهل المغربي للجار الشرقي تُحيي الأمل في التقارب

في عالم السياسة حيث الأصوات تُرفع والسقوف تُخفض حسب المزاج الدولي، اختار العاهل المغربي الملك محمد السادس أن يسلك دربًا أقل صخبًا وأكثر نُبلًا.. دربٌ يبدأ بـ “السلام عليكم” وينتهي بـ “فلنفتح صفحة جديدة”

منذ صيف عام تسعة وتسعين حين اعتلى جلالة الملك عرش المملكة، لم تتغير نظرته تجاه الجار الشرقي.. نفس اليد التي مُدت في البداية، لا تزال ممدودة حتى اليوم، لا ارتجاف فيها ولا تردد، كأنها تقول بكل وضوح: “نحن هنا من أجل الغد”

في خطاب العرش الأخير للعام الجاري، اختار الملك أن يُوجّه من جديد رسائل صادقة ومباشرة نحو الجزائر.. رسائل لم تحمل لا تهديدًا ولا عتابًا بل عبّرت عن أمل كبير، في زمنٍ أصبح فيه الأمل سلعة نادرة على رفوف السياسة

الرباط لم تُغلق بابها يومًا في وجه الجزائر، حتى حين أُغلق من الجهة الأخرى.. لم تُبادِل الشتيمة بالشتيمة، ولا الخطاب العدائي بالتصعيد.. بل حافظت على مقامها، لأن الكبار لا ينجرّون بسهولة إلى الصغائر

هل هذه مثالية؟ ربما في عيون البعض. لكن في منطق المغرب، هذه حكمة تترسّخت مع الزمن، تتوارثها القصور كما تتوارثها الشعوب

وما يزيد من رمزية هذه السياسة، أنها لا تأتي من فراغ ولا من حسابات قصيرة المدى.. بل من رؤية شاملة لإفريقيا وللمصير المشترك لشعوب المغرب العربي.. فالملك محمد السادس، كما أظهر في أكثر من خطاب ومبادرة، لا يرى الجزائر عدوًا بل جارًا ضل الطريق، وجب التذكير به لا تأنيبه

والذي يعرف تاريخ المغرب، يفهم بسرعة أن هذا الموقف ليس جديدًا.. الحسن الثاني فعلها قبل عقود حين وقف إلى جانب زعماء المغرب الكبير في مراكش، رافعًا يده مع باقي الرؤساء، في لحظة نادرة من حلم الاتحاد.. واليوم يُعيد محمد السادس السيناريو، لكن في ظروف أعقد وواقع أشد قساوة

الملك لم يُخطئ عندما وصف الشعب الجزائري بـ “الشقيق”.. فبين الرباط والجزائر، خيوط لم تستطع السياسة أن تقطعها.. عائلات ممتدة بين المدن والحدود، لهجات تتقاطع، وحنين لا يُمكن حجبه

في ظل هذا كله، تظهر الرباط مرة أخرى كصوت للعقل في منطقة تغصّ بالضجيج.. صوت يقول إن الوحدة ليست فقط ممكنة، بل ضرورية.. لأن التاريخ يفرض علينا أن نعيش جنبًا إلى جنب، والمستقبل يصرّ على أن نختار التعاون بدل التناحر

طبعًا، لن تكون الطريق مفروشة بالورود.. لكن الملك المغربي يراهن على الصبر وعلى الوقت، ويُدرك أن اللحظة المناسبة قد تأتي فجأة، كالمطر الذي ينزل بعد صيف طويل

هذا هو الفرق حين يكون الحاكم صاحب مشروع.. لا ينجرّ إلى ردود الأفعال، بل يصنع الأفعال نفسها.. وبينما تبني بعض الأنظمة وجودها على خصومة مفتعلة مع الجار، يختار المغرب أن يبني تاريخه القادم على شراكة ممكنة.. وإن طال الانتظار

الرسائل التي حملها خطاب العرش هذه السنة ليست عابرة.. بل تُعيد رسم ملامح السياسة المغربية في المنطقة.. سياسة تقول للعالم: المغرب لا ينسى، لكنه لا يكره.. والمغاربة لا يترددون في مسامحة من يطرق بابهم بنيّة صادقة

وهنا السؤال يفرض نفسه.. هل ستصل الرسالة؟ وهل سيجد الصوت المغربي صداه في قصر المرادية؟ أم أن الوقت لا يزال مبكرًا على ذوبان جليد طال تجمّده؟

ما نعرفه حتى الآن، هو أن المغرب قال كلمته.. وبقي أن نرى إن كانت الجزائر ستردّ بالمثل، أو تختار الصمت مرة أخرى


Exit mobile version