
العبدي وتفاصيل الملايين الضائعة.. تنمية بدون أثر..
العبدي وتفاصيل الملايين الضائعة.. تنمية بدون أثر..
في زمن أصبحت فيه الكراسي أهم من الكرامة، وفي جهة يبدو أن “الرئاسة” فيها تعني حقّ التوقيع على الفشل باسم التنمية، يطلّ علينا السيد رشيد العبدي، رئيس جهة الرباط سلا القنيطرة، كربّان يُبحر بسفينة مثقوبة، يرفع الشراع عالياً بينما القاع يغرق في مستنقع التعثرات والتناقضات.
ما الذي يحدث بالضبط؟
مشاريع تنموية على الورق، ميزانيات سخية تُرصَد، أرقام تلمع كالذهب في التقارير، ثم.. لا شيء! لا طريق اكتمل، لا مدرسة فُتحت، لا تنمية ظهرت.
فقط العناوين تزداد بريقاً، والمواطن يزداد فقراً، والعبدي ـ رئيس الجهة وليس قائد الإنجاز ـ يزداد ثقة بنفسه، وكأن التنمية تسير على قدميه!
أين تبخّرت ملايين الدراهم التي خُصّصت لتقليص الفوارق الاجتماعية؟ أين ذهبت مشاريع التعليم التي شُيّد لها حلم وأُهدي لها وهم؟ أربعة عشر مشروعًا تنموياً ما زالت تتعثر، وخمسة أخرى لم تُحرّك منها حجارة واحدة، ومشاريع تعليمية بقيمة ثلاثة وثمانين مليون درهم معلّقة كما تُعلّق الآمال في خطابات المجالس.
أما المسالك الطرقية فبقيت حبراً على الخريطة، تأخرت، تعثّرت، وفُسخت صفقاتها لأن “الأوعية العقارية” لم تكن جاهزة، وكأن المسؤولين تفاجأوا بوجود الأرض! يا للعجب! هل يجب أن نُهنّئهم لأنهم اكتشفوا أخيراً أن الطريق يحتاج تراباً للبناء؟
ولعلّ الطامة الكبرى ليست في تأخّر الأشغال، بل في تفصيل الصفقات على مقاس الشركات. كراء السيارات؟ صفقة بملايين، بتفاوتات مشبوهة، بدراسات هزيلة، وربما بدون دراسة إطلاقاً. ثلاثمائة وخمسة وسبعون مليون درهم لمشاريع المياه العادمة، بلا طلبات عروض، بلا منافسة، بلا قانون. وكأن الجهة تُدار بمنطق “من في جيبي فهو لي”.
وها هو مرسوم الصفقات العمومية يُرمى في سلة المهملات، تمامًا كما تُرمى التقارير الجدية في وجه مواطنين فقدوا الثقة، لا فقط في المؤسسات، بل في فكرة التنمية ذاتها.
رشيد العبدي، لا يبدو منزعجًا من هذه الفوضى، وربما لا يراها فوضى أصلاً. فالمشهد من مقعد الرئاسة يبدو مرتبًا جدًا: سيارات جديدة، أوراق تُمضى، وخطابات مطمئنة أمام الكاميرات. وحدهم أبناء سيدي قاسم ينتظرون طريقًا، ووحدهم الأطفال يتزاحمون على أقسام متهالكة كان يُفترض أن تُبنى غيرها.
العبدي لا يدير جهة.. بل يقدّم عرضًا كوميديًا من طراز رفيع. مسرحية عبثية بطلها الفشل، وسيناريوها لا ينتهي، وجمهورها نحن، نشاهد بصمت، نصفق أحيانًا بدافع السخرية، ونبكي في دواخلنا.
فلتُرفع الستارة.. العرض لم ينتهِ بعد.






