الضمان الاجتماعي.. مقاعد محجوزة وحقوق مؤجلة

الضمان الاجتماعي.. مقاعد محجوزة وحقوق مؤجلة

في الوقت الذي تُكثر فيه الحكومة من الحديث عن العدالة الاجتماعية وكأنها معادلة هندسية دقيقة تحتاج فقط إلى بعض الحسابات والأرقام، يكشف الواقع وجهًا آخر: ما يُضبط بعناية ليس مصير المواطن، بل ترتيب الكراسي حول طاولة القرار.

فمجلس الحكومة صادق مؤخرًا على المرسوم رقم 2.25.641 الخاص بالمجلس الإداري للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. على الورق، يبدو الأمر تنظيماً عادياً لتمثيلية الدولة والنقابات والمشغلين، لكن في العمق، هو إعادة رسم لخريطة السلطة داخل أهم مؤسسة اجتماعية في المغرب.
المرسوم لا يحدد فقط من سيجلس، بل يحدد ضمنياً من سيتم إبعاده، ومن سيُمنح شرف المشاركة في اتخاذ القرارات التي تخص ملايين الأجراء والمتقاعدين.

الضمان الاجتماعي، الذي وُجد أساسًا لحماية المواطن من المرض والشيخوخة وضعف الدخل، يتحول تدريجياً إلى فضاء لتوزيع النفوذ السياسي، حيث المقاعد تُعيَّن من الأعلى، بينما صوت المواطن يظل معلقاً بين قاعة الانتظار وشباك الاستفسار.

بدل أن تنشغل الحكومة بإصلاح التقاعد المهدد بالعجز أو تحسين جودة الخدمات الصحية والاجتماعية، فضّلت تعديل طريقة الجلوس داخل المجلس الإداري. وكأن المشكلة ليست في الفقر أو هشاشة الشغل، بل في ترتيب الكراسي وعدد المقاعد لكل جهة.

تتحدث الحكومة عن “دولة اجتماعية” و”جيل جديد من الإصلاحات”، لكن المواطن لا يرى سوى جيل جديد من التعيينات، وجيلاً قديماً من الإقصاء. الأرقام الرسمية تقول إن ملايين المغاربة يستفيدون من خدمات الصندوق، لكن السؤال البسيط الذي لا يطرحه أحد هو: من يدافع فعلاً عن حقوق هؤلاء داخل مجلس الضمان الاجتماعي؟ ومن يمثلهم عندما تُوزع القرارات كما تُوزع الحقائب الوزارية؟

في النهاية، يبدو أن العدالة الاجتماعية تُكتب في المراسيم، لكنها لا تُطبّق في الواقع. والمجلس الإداري للصندوق يتحول إلى مرآة لطريقة إدارة الدولة نفسها: قرارات تُصنع في الأعلى، وحقوق تُناقش دون أصحابها، ومواطن يكتفي بلعب دور المتفرج.

Exit mobile version