الذهب يلمع عالميًا… ويُربك سوق الحلي في المغرب

الذهب يلمع عالميًا… ويُربك سوق الحلي في المغرب

شهدت أسعار الذهب في الأسواق العالمية موجة صعود غير مسبوقة، بعدما لامست مستويات قياسية بلغت نحو 5595 دولارًا للأوقية، قبل أن تعود وتتراجع بسرعة تحت ضغط جني الأرباح وارتفاع قيمة الدولار.

صعود خاطف، لكنه كان كافيًا لإرباك الأسواق، وترك أثرًا مباشرًا على سوق المجوهرات في المغرب، حيث تحوّل اللمعان العالمي إلى قلق محلي.

في محلات الصاغة، لم يعد الحديث عن الربح بقدر ما أصبح عن الترقب. التقلبات الحادة دفعت العديد من التجار إلى التريث، بل وإلى الامتناع عن اقتناء مخزونات جديدة، خشية شراء الذهب عند القمة ثم الاضطرار إلى بيعه في زمن الهبوط.

النتيجة كانت سوقًا شبه راكدة، وحركة بيع وشراء باهتة لا تشبه مواسم الرواج المعتادة.

ارتفاع الأسعار لم يضغط فقط على التجار، بل أصاب الطلب في العمق. فالإقبال على شراء المجوهرات تراجع بشكل ملحوظ، خاصة لدى الفئات المتوسطة، التي باتت ترى في الذهب سلعة مؤجلة لا أولوية.

صاغة يؤكدون أن المشهد تغيّر كليًا: حين كانت الأسعار أقل، كان الزبون يدخل بثقة، أما اليوم فيدخل بحسابات طويلة ونظرة حذرة.

هذا التراجع دفع السوق إلى مسار بديل. بدل بيع الذهب الجديد، يتركز النشاط حاليًا على شراء المجوهرات القديمة، صهرها أو تحديثها، وإعادة تدويرها في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الحركة. هو حل اضطراري أكثر منه خيارًا استراتيجيًا، يعكس انسداد أفق البيع التقليدي.

المستهلك بدوره يعيش حالة حيرة. كثيرون يترددون في الشراء خوفًا من مزيد من الارتفاع، أو من تراجع مفاجئ يفقدهم جزءًا من قيمة مدخراتهم. هذه الحيرة ترجمت، لدى فئة من النساء خصوصًا، إلى تغيير في سلوك الادخار، حيث بات الاستثمار في العقار يُنظر إليه كخيار أكثر أمانًا واستقرارًا مقارنة بالذهب المتقلب.

ضعف الإقبال لا يرتبط فقط بالأسعار، بل أيضًا بطبيعة المخاطرة. فئات واسعة لم تعد مستعدة لوضع كل مدخراتها في المعدن الأصفر، خصوصًا في ظل غياب رؤية واضحة لمسار الأسعار عالميًا. هذا التردد الجماعي عمّق ركود السوق، وضيّق هامش المناورة أمام الصاغة.

التجار، من جهتهم، يواجهون معضلة حقيقية. صعوبة الحصول على الذهب بأسعار مستقرة تجعل تعويض المخزونات أمرًا محفوفًا بالمخاطر، وتقلل فرص تحقيق مبيعات مجزية. يضاف إلى ذلك الإطار القانوني، الذي لا يسمح للأفراد بسهولة بشراء السبائك الذهبية، ما يحصر التداول في المجوهرات القديمة والعملات الذهبية، ويحدّ من تنويع العرض.

خبراء يحذرون من أن استمرار هذا الوضع قد تكون له كلفة اجتماعية. فإذا طال أمد التقلبات وواصل الطلب تراجعه، فإن قطاع صياغة الذهب قد يواجه موجات بطالة، خاصة في الورشات الصغيرة التي تعيش أساسًا على هامش الربح.

هكذا، بينما يواصل الذهب بريقه في البورصات العالمية، يبدو المشهد المغربي مختلفًا: سوق متردد، مستهلك حائر، وتاجر يوازن بين الخسارة والانتظار. ذهبٌ يلمع… لكنه لا يُشترى.

Exit mobile version