Site icon الاخبار24

التواصل الانتخابي بالمغرب… خطاب كثير وثقة قليلة

التواصل الانتخابي بالمغرب… خطاب كثير وثقة قليلة

التواصل الانتخابي بالمغرب… خطاب كثير وثقة قليلة

قبل كل انتخابات، يتكرر المشهد نفسه في المغرب: أحزاب تستيقظ فجأة على هاجس “التواصل مع الناخبين”، وناخبون يتساءلون بهدوء ساخر: عن أي تواصل يتحدثون؟ فالعلاقة بين الطرفين لم تعد متعثرة فقط، بل أصبحت أقرب إلى حوار من طرف واحد، يُلقى فيه الخطاب في فراغ سياسي واسع.

الأحزاب، وهي تستعد للاستحقاقات المقبلة، ما تزال تعتقد أن المشكلة تقنية: ضعف في الحملات، نقص في اللقاءات، أو قصور في وسائل التواصل. والحال أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة معنى.

فالمواطن لم يعد يشعر بأنه معني بخطاب حزبي لا يختلف كثيرًا من حزب إلى آخر، ولا ببرامج تُشبه الوعود الموسمية التي تُستهلك ثم تُنسى.

المفارقة الساخرة أن الأحزاب تتحدث عن “أزمة تواصل”، بينما الناخب يتحدث عن “غياب الفعل”. المواطن لا يشكو من قلة الكلام، بل من كثرة الكلام بلا نتيجة. لا يريد منشورًا إضافيًا ولا فيديو مباشرًا، بل يريد جوابًا بسيطًا: ماذا تغير فعلًا؟ هنا يتوقف الخطاب الحزبي، ويبدأ الارتباك.

في زمن الشبكات الاجتماعية، انقلبت الأدوار. المواطن يسأل، يحلل، ينتقد، وأحيانًا يسخر بذكاء لاذع. أما الأحزاب، فإما غائبة عن النقاش، أو حاضرة بخطاب خشبي لا يصمد أمام تعليق واحد مباشر.

النخب التي اعتادت المنصات المغلقة وجدت نفسها فجأة في فضاء مفتوح، بلا إجابات جاهزة، فاختارت الصمت أو الهروب إلى لغة عامة لا تقول شيئًا.

الأدهى أن هذا الانفصال يُقدَّم دائمًا كخطأ في “التواصل”، لا كنتيجة طبيعية لسنوات من الوعود غير المنجزة. الأحزاب تريد إصلاح الصورة، لا مراجعة المضمون. تريد تحسين النبرة، لا تغيير الممارسة. كأن المشكلة في الميكروفون، لا في ما يُقال فيه.

وهكذا، ومع كل اقتراب انتخابي، تبدأ حملة البحث عن الناخب، لا بوصفه شريكًا في القرار، بل كصوت ضائع يجب استرجاعه بسرعة. لقاءات فجائية، خطابات حماسية، ووعود مُعاد تدويرها، في وقت حسم فيه كثيرون أمرهم: اللامبالاة أصدق من المشاركة الشكلية.

في النهاية، ليست أزمة التواصل سوى عرضٍ لأزمة أعمق: أزمة ثقة.

فما دام المواطن لا يرى أثر السياسة في حياته اليومية، سيظل خطاب الأحزاب يدور في حلقة مغلقة، يخاطب نفسه بنفسه.

وحينها، لن يكون السؤال لماذا لا يتواصل الناخب، بل لماذا ما يزال البعض يعتقد أن المشكلة في التواصل… لا في السياسة نفسها.

Exit mobile version