
الاستعجال الذي لا ينتهي: الحكومة تكتشف أن الفوضى أسرع من الإصلاح
الاستعجال الذي لا ينتهي: الحكومة تكتشف أن الفوضى أسرع من الإصلاح
في خطوةٍ وُصفت بـ”الاستثنائية”، فوّض رئيس الحكومة عزيز أخنوش لوزير الصحة أمين التهراوي صلاحية إصلاح واحدٍ وثمانين مستشفى عمومي، عبر مساطر تفاوضية مباشرة، دون اللجوء إلى المناقصات أو المنافسة العلنية التي يفرضها القانون.
تسعة أسطر فقط كانت كافية لمنح وزارة الصحة سلطة مالية وإدارية واسعة، بدعوى “الضرورة القصوى” و“الإصلاح العاجل”، في وقتٍ يعاني فيه القطاع الصحي من هشاشةٍ مزمنة لا علاقة لها بالمفاجآت الطارئة.
الوثائق التي نشرها موقع نيشان تكشف تفاصيل المراسلة واللوائح المرفقة بها، والتي تتضمن أسماء المؤسسات الاستشفائية المعنية بالإصلاح. من طنجة إلى الداخلة، مرورًا بالدار البيضاء وفاس ومراكش، تظهر قائمة طويلة من المستشفيات العمومية التي ستُعاد تأهيلها من ميزانية الدولة.
غير أن ما يثير الجدل هو أنّ عددًا من هذه المستشفيات لم يعد في ملكية الدولة أصلًا. فبحسب تقارير صحفية متطابقة، تمّ تفويت أو تأجير بعض المستشفيات إلى جهات خاصة وصناديق استثمارية. جريدة La Vie Éco، على سبيل المثال، أكدت أن الصندوق المغربي للتقاعد اشترى خمسة مراكز استشفائية بقيمة 4.5 مليار درهم وأعاد تأجيرها للدولة بعقود طويلة الأمد.
وفي السياق نفسه، تحدثت Achtari24 عن تفويت مستشفيات في تطوان والعرائش وكزناية لشركات خاصة، بينما كشف موقع Assafir Arabi عن اعتماد صيغة “البيع مع إعادة الإيجار” في بعض الحالات. وهذا يعني ببساطة أنّ جزءًا من المؤسسات التي ستُرمَّم بالمال العام لم تعد مملوكة للدولة.
تُبرّر الحكومة قرارها هذا بكونه يندرج في إطار “الاستعجال”، لكنّ السؤال الجوهري يظل مطروحًا: هل تبرّر السرعة تجاوز قواعد الشفافية والمساءلة؟
ففي الوقت الذي تنصّ فيه المراسيم المنظمة للصفقات العمومية على المنافسة المفتوحة، لجأت الحكومة إلى المادة 154 التي تتيح التراضي المباشر في حالات الضرورة القصوى. غير أن هذه المادة تُستعمل اليوم كأداةٍ لتجاوز المساطر الرقابية بدل أن تكون استثناءً محدودًا.
الأخطر أن المراسلة الحكومية لم تُنشر في الجريدة الرسمية، ما يجعلها قرارًا إداريًا داخليًا غير خاضع لرقابة الرأي العام، رغم أنها تمسّ مباشرةً المال العام وميزانية الدولة.
النتيجة، بحسب مراقبين، هي استمرار الخلط بين المرفق العمومي والمصالح الخاصة. فالمستشفى الذي يُموَّل من أموال الشعب ينبغي أن يبقى مرفقًا عموميًا خاضعًا للمحاسبة، لا أصلًا ماليًا يُدار عبر صناديق استثمارية. وإلا فإننا أمام حالة جديدة من الخصخصة المقنّعة التي تُغلف بشعارات “الإصلاح” و“التأهيل”.









