إنجاز طبي بورزازات: نجاح عمليتين دقيقتين بالمنظار لعلاج الخصية المعلقة
في زاوية بعيدة عن صخب المراكز الكبرى، حيث يُفترض أن “الحد الأدنى” يكفي، قرر مستشفى إقليمي بورزازات أن يكتب سطرًا مختلفًا… سطرًا لا يشبه الصورة النمطية التي تُلصق عادة بالمستشفيات خارج محور الرباط–الدار البيضاء.
هناك، داخل قاعة عمليات لا تعرف الضجيج الإعلامي، نجح طاقم طبي متخصص في إجراء عمليتين جراحيتين دقيقتين لطفلين يبلغان سبع سنوات، في محاولة لإعادة الأمور إلى نصابها البيولوجي… الخصية التي أخطأت طريقها نحو مكانها الطبيعي، أعيدت عبر المنظار، بدقة لا تحتمل الخطأ.
الأمر لا يتعلق فقط بعملية جراحية ناجحة، بل بتدخل حاسم ضد مستقبل صحي مُهدد. لأن الخصية غير النازلة ليست تفصيلاً عابرًا يمكن تأجيله إلى حين “تحسن الظروف”، بل قنبلة زمنية قد تنفجر في شكل مضاعفات معقدة، تبدأ بالخلل الوظيفي ولا تنتهي عند حدود المخاطر الأخطر.
وهنا، بالضبط، يظهر الفرق بين طب يشتغل برد الفعل… وطب يختار أن يسبق المضاعفات بخطوة.
العملية لم تكن مغامرة فردية، بل اشتغال جماعي محكوم بتخصص دقيق. أطباء جراحة الأطفال، وأطر التخدير والإنعاش، وممرضون متمرسون، كلهم داخل نفس الإيقاع… لا مجال للارتجال، ولا مكان للهفوات. لأن الجراحة بالمنظار ليست مجرد تقنية، بل ثقافة طبية قائمة على التحكم، والرؤية الدقيقة، وتقليص المخاطر إلى أدنى حد.
لكن خلف هذا النجاح، يطرح سؤال غير مريح… لماذا تبدو مثل هذه الإنجازات وكأنها “استثناء يستحق التصفيق”، بدل أن تكون قاعدة بديهية في كل مستشفيات المغرب؟
وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تضع هذه العمليات ضمن مجهوداتها لتحسين جودة الخدمات، وهو معطى لا يمكن إنكاره. غير أن الواقع، كما يعيشه المواطن يوميًا، لا يزال يراوح بين الانتظار الطويل، والنقص في التخصصات، وتفاوت صارخ في الولوج إلى العلاج بين جهة وأخرى.
ورزازات اليوم تقدم نموذجًا مختلفًا، نعم… لكنها في الآن نفسه تفضح مفارقة أكبر: حين يتحول الإنجاز العادي إلى خبر “استثنائي”، فذلك يعني أن هناك خللًا بنيويًا لا يزال قائمًا.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من قيمة ما تحقق. لأن طفلين، ببساطة، ربحا معركة صامتة ضد مستقبل صحي معقد. وهذا، في حد ذاته، انتصار صغير… لكنه بالغ الدلالة.

