Site icon الاخبار24

إفلاس سياسي في المغرب: أزمة قيم وانهيار الخطاب العمومي

إفلاس سياسي في المغرب: أزمة قيم وانهيار الخطاب العمومي

إفلاس سياسي في المغرب: أزمة قيم وانهيار الخطاب العمومي

لم يعد المشهد السياسي يحتاج إلى كثير من التحليل ليكشف علّته، يكفي أن تتابع نقاشًا عموميًا واحدًا لتدرك أن السياسة لم تفقد بريقها فقط، بل فقدت معناها أيضًا.

ما نراه اليوم ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل إفلاس سياسي مكشوف، تتجاور فيه السطحية مع الضجيج، ويختفي فيه الفكر خلف استعراض لفظي سريع الزوال.

السياسي لم يعد يقنع، بل يحاول أن ينتصر، لم يعد يناقش، بل يهاجم. اختار البعض أن يستبدل الحجة بالصوت المرتفع، وأن يقدّم السخرية كبديل عن الفكرة، وكأن السياسة تحولت إلى مسابقة في من يثير الانتباه أكثر، لا في من يقدّم حلولًا أفضل.

في هذا المناخ، تراجعت القيم بهدوء مخيف، لم يعد الاحترام شرطًا، ولا الرصانة معيارًا، بل أصبح الانفعال رأسمالًا سياسيًا. من يصرخ أكثر، يُسمع أكثر. ومن يبالغ أكثر، ينتشر أكثر.

أما من يحاول التفكير، فيجد نفسه خارج اللعبة، لأن السوق السياسي لم يعد يطلب الفكرة… بل يطلب الإثارة.

الشباب، الذين كان يفترض أن يحملوا نفسًا جديدًا، وجدوا أنفسهم داخل قواعد قديمة بثوب جديد. بعضهم تعلّم بسرعة كيف يقتحم المشهد، لكن ليس عبر المعرفة، بل عبر تقنيات الجدل السريع، والردود الجاهزة، واللغة التي تختزل السياسة في “كلاش” رقمي. وهكذا، بدل أن يُجدّدوا السياسة، ساهموا – دون وعي أحيانًا – في تسريع انحدارها.

الأحزاب بدورها لم تُصحّح المسار. بعضها اختار أن يستثمر في هذه السطحية، وأن يصنع نخبًا سريعة الاستهلاك، جاهزة للظهور، لكنها غير جاهزة للإقناع. لم تعد الكفاءة شرطًا كافيًا، بل أصبحت القدرة على الحضور الإعلامي، مهما كان محتواه، طريقًا مختصرًا نحو الواجهة.

في الخلفية، يتمدد تضارب المصالح بصمت. تتداخل المواقع مع الامتيازات، وتصبح السياسة أحيانًا وسيلة للترقي، لا لخدمة الصالح العام. ومع هذا التداخل، تتآكل الثقة أكثر، ويتحول الشك إلى موقف عام، لا يحتاج إلى دليل جديد.

الأخطر أن هذا الوضع لا يخلق فقط أزمة داخل السياسة، بل يصنع عزوفًا خارجها. المواطن يتابع، يلاحظ، ثم ينسحب. لا لأنه غير مهتم، بل لأنه لم يعد يرى فرقًا حقيقيًا، وهنا، يتحول الإحباط إلى سياسة غير معلنة، تُبقي المشهد هادئًا ظاهريًا، لكنه فارغ من المعنى.

ما نعيشه اليوم ليس أزمة خطاب فقط، بل أزمة أخلاق. السياسة، في جوهرها، كانت تعني تدبير الاختلاف باحترام، وصناعة القرار بعقلانية. أما الآن، فهي في كثير من الأحيان تُختزل في مشهد سريع، يُستهلك ثم يُنسى، دون أن يترك أثرًا سوى مزيد من فقدان الثقة.

الخروج من هذا الوضع لا يحتاج شعارات جديدة، بل يحتاج عودة إلى الأساسيات. إلى الفكرة بدل الضجيج، إلى القيم بدل الانتهازية، إلى المسؤولية بدل الاستعراض. لأن السياسة، حين تفقد أخلاقها، تفقد قدرتها على الإقناع… وحين تفقد الإقناع، تفقد كل شيء.

Exit mobile version